
يمكن تفسير استمرارية طرق وأنماط تسيير إدارة الجامعة والمؤسسات التابعة لها، ذات أضرار للفاعلين ومساس بكرامتهم وحقوقهم من خلال الأفعال الغير القانونية والاعتداءات والسلوكيات الفظيعة، بعامل اصطفاف غالبية الهياكل بجانب ذوي المسؤوليات الإدارية في إطار المقايضات واقتسام المنافع بالتلاعب بمهام العمل الجامعي. ما يصعب تقبله وهضمه هو اصطفاف أعضاء الهياكل الجامعية والنقابية بجانب الجلاد واقتسام “الفوائد والموائد” معه ومساندة تسلطه وتجاوزاته وإجرامه.
وعليه يتم التخلي عن شراسة المواقف والدفاع عن المصلحة العامة واختيار مسلك المهادنة بالمراهنة على تقوية المنافع الخاصة واستنفاذ الطموحات الشخصية وحتى العائلية. والسيناريو الأخطر هو توغل “اخطبوط المصالح المتبادلة” كشبكة عنكبوتيه تتوسع لضم الأعضاء ذوي المسؤوليات بالهياكل الجامعية ولما لا النقابية، الشيء الذي ينجم عنه امتصاص شراسة مواقفهم وشلل تفعيل اختصاصاتهم ومهامهم بعد احتوائهم لمواكبة أنماط التسيير المسطرة، والعمل داخل نفس القنوات وتسطير نفس الغايات والطموحات (الرغبة في المسؤوليات، لجان على المقاس لشغل منصب رئيس مؤسسة جامعية، الانتقاء الزبوني للإشراف على مباريات التوظيف للمصالح الخارجية في تجاوز للهياكل المعنية، تسهيلات مختلفة فيما يخص التسجيلات والتوظيفات، التلويح “بكعكة عقارية” قابلة للاقتسام …)
مجلس الجامعة ليس بغرفة التسجيل(chambre d’enregistrement) بل له مهام واختصاصات واسعة، بالرجوع إلى مقتضيات القانون 00-01 المنظم للتعليم العالي، على مستوى التسيير البيداغوجي والعلمي والمالي، ويرجع له الاختصاص كذلك فيما يخص السير العادي للمؤسسات الجامعية. وعليه فمن واجبنا أن نتساءل كيف أن أعضاء مجلس الجامعة لا يولون أدنى اهتمام للتجاوزات والأفعال المنافية للقانون وتزوير الانتخابات والاعتداءات رغم علمهم بذلك من خلال التوصل بالشكايات والبيانات النقابية والتظلمات للفاعلين الجامعيين من أساتذة وطلبة وموظفين؟
فإذا كانت مجموعة من المؤسسات الجامعية تتخبط في مشاكل عديدة فيما يخص ظروف الاشتغال وضعف الميزانية المرصودة لها والتي تؤثر سلبا على مهام الفاعلين بالمؤسسات فيما يخص التكوين والبحث العلمي، فما يجب الوقوف عنده هو أن هذه المشاكل تتفاقم في حالة عدم احترام تبويب الميزانية وصرفها بطرق ملتوية وفي غياب الشفافية واستغلالها لأغراض شخصية.
فبعض مؤسسات جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء أصبحت تربة جد خصبة لكل أنواع التجاوزات والاجتهادات الغير قانونية، والاعتداءات في حق بعض الفاعلين من أساتذة وطلبة وموظفين. فما زاد من تأزم وضعية بعض المؤسسات هو تفشي منطق المحسوبية والزبونية الذي يضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ تكافؤ الفرص فيما يخص جميع مناحي العمل الجامعي (ممارسات الانتقاء في سفريات المجموعات واحترافها، تسهيل التسجيلات بمختلف الأسلاك كمكافأت لاحتواء السلم الاجتماعي، مباريات التوظيفات المشبوهة المفبركة على المقاس وفي بعض الحالات وبعض المؤسسات، مباريات ولوج بعض أسلاك التكوينات، الترقية، مباريات التأهيل الجامعي، اعتمادات التكوينات، تضخيم الساعات الإضافية على رأس الزبون…).
فعلى الهياكل الجامعية ( مجلس الجامعةو مجالس المؤسسات) أن تدقق في الصفقات والتعويضات والحرص على شفافية النفقات. فكيف يعقل أن التعويضات يتم إدراجها ضمن خانة تخصص لمجموعة من النفقات عوض وضعها ضمن خانة محددة بأرقام واضحة؟
فالمشاكل المتفاقمة ببعض المؤسسات، الغير مرتبطة بضعف الميزانية، تفسر بنمط التسيير بالمؤسسات وبطرق التدبير البيداغوجي والعلمي، وأن المسؤولية تقع على عاتق أعضاء الهياكل الجامعية التي لها الاختصاص (مجلس الجامعة، مجلس المؤسسة، المسالك، مركز دراسات الدكتوراة، اللجنة العلمية، الشعب).
فالتفعيل السيئ لهذه الهياكل أو تجاوزها من طرف الجهاز الإداري، وغالبا بتواطؤ البعض من ذوي المسؤوليات البيداغوجية والعلمية، هي عوامل تفسر التجاوزات والخروقات والاجتهادات اللاقانونية بالمؤسسات.
فعدم احترام مقتضيات النصوص القانونية واستشراء العبث بالمهام وتفشي مظاهر الزبونية ونظام الامتيازات وربط الحقوق بالولاءات والمقايضات، هذه كلها أفعال أضرت كثيرا بالمهام الجامعية وخلفت استياءا لدى الفاعلين بالمؤسسات المعنية.
ففي حالة تهميش وتجاوز الهياكل الجامعية، تتم مركزة القرار بيد الجهاز الإداري بغية بسط نفوذه وقراراته على جميع مناحي العمل الجامعي والتحكم في دواليب وموارد ومرافق المؤسسة المعنية. ولفرض استمرارية نمط تسيير مستبد يتم من جهة تشجيع نظام الجزاءات والمكافأت لذوي الولاء وحسن السيرة وطاعة املاءات (الأسياد ذوي القداسة) بتمجيد ومباركة الانجازات، ومن جهة أخرى اللجوء إلى أساليب ممارسات الانتقام ومحاولات العقاب باقتراف اعتداءات ومس بالحقوق ضد كل من يصعب احتوائه وتدجينه.
كما هو معمول به في بعض الأنظمة المستبدة والدول الديكتاتورية، التي تسعى إلى بسط جبروتها وتلميع صورتها الملطخة وذلك باستعمال كل الوسائل المتاحة وتوظيف المؤسسات السياسية والنقابية والإعلامية وتجييش أفراد وجماعات كنماذج البلطجية (لاحتكار واستمرارية السلطة، كل الأفعال والممارسات اللاخلاقية والاجرامية- في نظر ميكيافيلي- تصبح مبررة ومشروعة وقابلة للتنفيذ كالاختطافات والمحاكمات الصورية والتصفية الجسدية (حالة الصحفي السعودي جمال خاشقجي مثالا صارخا))، فقد أصبح لهذا النمط من التسيير عشاقه ورواده حتى على مستوى المؤسسة العمومية كالمؤسسة الجامعية.
في بعض المؤسسات الجامعية التي تتميز بتسلط الجهاز الإداري ومركزة القرار بيده من خلال مباركة ومساندة الموالين والمجازين من أعضاء الهياكل وضعف ولامبالاة الآخرين، يتم توظيف الفاعلين لاختراق أو اكتساح الهياكل الجامعية والنقابية لتمرير وتزكية المخططات والقرارات التي تخدم الجهاز الإداري ومن معه، وكذلك بتسديد خدمات أخرى كتلميع صورة المؤسسة وتمجيد نمط تسييرها وكذلك محاربة من لا يدور في فلك الإدارة وبلطجيتها والذي يتشبث بشراسة مواقفه ويصعب احتواءه في إطار نظام المقايضات والمكافآت.
بعض المؤسسات تسير كمحميات وضيعات خاصة وبطقوس الاستحواذ والاستعباد الفيودالي، بحيث أن هيمنة رئيس المؤسسة وحاشيته والموالين تمس جميع مناحي العمل الجامعي باعتبار مرافق المؤسسة ومواردها كممتلكات قابلة للتصرف وللاستعمال بطرق انفرادية واستغلالها لأغراض تقوية المنفعة الشخصية. وفي هذا الصدد يمكن استغلال حتى بعض العاملين بالمؤسسات لقضاء الحاجيات الشخصية والعائلية لذوي المسؤوليات الإدارية ومن يدور في فلكهم.
في هذه الحالات التي تكون فيها الهياكل فارغة من محتواها أي اختصاصاتها (coquilles vides) يكون هناك خلط تام” confusion totale” بين تصور رئيس المؤسسة وتسييرها الفعلي.
من خلال عدم فرض احترام مقتضيات القانون، من طرف رئيس المؤسسة، ينجم عن ذلك تفشي مظاهر العبث والتجاوزات والممارسات المشينة وتلاعب بالعمل الجامعي. فبعدم ردع التلاعبات الفظيعة بالمهام البيداغوجية، تصبح المؤسسات مكان للتسيب واقتراف الأضرار والابتعاد عن ما تقتضيه المصلحة العامة بالاستغلال الفاحش والمزري للمهام الجامعية ضدا على احترام القانون وعلى مبادئ تكافؤ للفرص ونزاهة وصرامة التسيير.
ففي كلا الحالتين، تسلط إدارة المؤسسة أو ضعف رئيس المؤسسة الذي غالبا ما يكون متجاوزا من ذوي المسؤوليات، فالمصلحة العامة هي التي تكون غائبة وأن مسار المؤسسة لا يكون على السكة الصحيحة وتنجم عنه أضرار واستغلال للمهام وانتفاعات خاصة.
ما يثير الاستغراب هو كيف أن أعضاء الهياكل الجامعية (مجلس الجامعة ومجالس المؤسسات) لا يهتمون بالتدقيق في مصاريف رئاسة الجامعة وعلى مستوى مجموعة من المؤسسات. قد ينجم استغلال خاص للموارد وأضرار للمهام الجامعية في حالات التصرف بدون حسيب ولا رقيب في الميزانيات المرصودة لرئاسة الجامعة وللمؤسسات.
يتبع….



