في الواجهةكلمة السفير

حين يدهس رجل الأمن وهو يؤدي واجبه، لا بد أن ينتصر القانون على التهور والاستهتار

حين يدهس رجل الأمن وهو يؤدي واجبه، لا بد أن ينتصر القانون على التهور والاستهتار

السفير 24 – بقلم: حسن راقي، مدير النشر

ما وقع بمدينة أكادير صباح اليوم الخميس 29 أكتوبر 2026، ليس مجرد واقعة سير عادية، ولا حادثا يمكن اختزاله في لحظة تهور عابرة، بل واقعة خطيرة تمس سلامة موظف مكلف بإنفاذ القانون، وتضع أمام المجتمع سؤالا جوهريا: إلى أي حد يمكن أن يصل الاستهتار بأرواح الناس، حين يصبح رجل الأمن نفسه عرضة للدهس أثناء قيامه بواجبه في حماية المواطنين وفرض احترام القانون؟

وفق المعطيات التي توصلت بها جريدة “السفير 24” من مصدر أمني، فقد تمكنت عناصر الشرطة بولاية أمن أكادير من توقيف سائق سيارة خاصة وشخصين كانا برفقته، للاشتباه في تورطهم في قضية تتعلق بالسكر والسياقة في حالته، وعدم الامتثال لأوامر الشرطة، وتعريض موظف أمن للإيذاء العمدي أثناء مزاولته لمهامه، فضلاً عن المشاركة.

وتعود تفاصيل الواقعة إلى رفض سائق السيارة الامتثال لإشارة التوقف بالسد القضائي المقام عند المدخل الشمالي لمدينة أكادير، قبل أن تواصل المركبة سيرها، ما استدعى تدخل دورية تابعة للفرقة المتحركة للدراجين بشارع محمد الخامس. وخلال محاولة إيقاف السيارة، صدم السائق أحد عناصر الشرطة الدراجين، قبل أن يعود بالمركبة إلى الخلف ويدهسه، ثم يفر من مكان الحادث، في واقعة بالغة الخطورة، وفق المعطيات الأمنية المتوفرة.

إن المشهد، بما يحمله من خطورة، يدفع إلى التساؤل عن طبيعة العقلية التي يمكن أن تجعل شخصا يواجه تدخلا أمنيا بهذه الطريقة، عوض الامتثال للتعليمات والخضوع للمساطر القانونية. فمهما كانت الظروف أو الدوافع، لا شيء يبرر تعريض حياة إنسان للخطر، فبالأحرى حين يتعلق الأمر بموظف يؤدي مهمة رسمية، ولا يقوم سوى بواجبه في إطار المسؤوليات الملقاة على عاتقه.

رجل الأمن ليس خصما للمواطن، وليس هدفا مباحا لنزوات المتهورين، وليس جسدا يمكن دهسه ثم مواصلة الطريق وكأن شيئا لم يحدث. إنه إنسان له الحق في الحياة والسلامة، وموظف يتحمل مسؤولية حماية المجتمع، وقد يجد نفسه في لحظات قليلة أمام مخاطر جسيمة بسبب سلوك أشخاص يرفضون الامتثال للقانون.

ومن غير المقبول أن يترك رجال الأمن في مواجهة مخاطر الشارع دون أن يقابل واجبهم في حماية المواطنين بإرادة مجتمعية واضحة لاحترام القانون وصون كرامتهم وسلامتهم. فالشرطي الذي يوقف سيارة مشبوهة أو يطالب سائقا بالامتثال لإشارة قانونية لا يبحث عن مواجهة، وإنما يمارس اختصاصا مهنيا يهدف إلى حماية النظام العام. وإذا تحول هذا التدخل إلى اعتداء يهدد حياته، فإن الأمر يستدعي وقفة جادة ومسؤولية قانونية تتناسب مع خطورة الأفعال التي يثبت ارتكابها.

إن الدفاع عن رجال الأمن ليس موقفا انفعاليا، ولا دعوة إلى منحهم امتيازات خارج القانون، بل هو دفاع عن حقهم في ممارسة مهامهم دون أن تصبح حياتهم ثمنا لتهور الآخرين. ومن واجب المجتمع أن يرفض بوضوح كل اعتداء يستهدفهم، كما أن من واجب المؤسسات المختصة ضمان الحماية القانونية اللازمة لهم، والتعامل بحزم مع كل فعل يثبت أنه يهدد سلامتهم أو يعرقل أداءهم لمهامهم المشروعة.

ولا يمكن القبول بمنطق يعتبر الامتثال للتعليمات الأمنية أمرا اختياريا، أو يتعامل مع أوامر الشرطة باعتبارها تحديا شخصيا يمكن الرد عليه بالقوة. فالدولة التي تحترم نفسها تقوم على مؤسسات تؤدي اختصاصاتها وفق القانون، ومواطنين يلتزمون بالقواعد المنظمة للحياة العامة، ومساطر قضائية تضمن المحاسبة العادلة لكل من يثبت تجاوزه.
والأخطر في واقعة أكادير، وفق المعطيات المتوفرة،

ليس فقط صدم الشرطي، بل العودة بالسيارة إلى الخلف ودهسه قبل الفرار من مكان الحادث. وهي تفاصيل تجعل القضية تستوجب بحثا دقيقا في جميع ظروفها، وتحديد طبيعة الأفعال المنسوبة إلى السائق ومرافقيه، ومدى مسؤولية كل واحد منهم، وترتيب النتائج القانونية وفق ما تسفر عنه الأبحاث التي تجري تحت إشراف النيابة العامة المختصة.

وفي هذا السياق، فإن توقيف المشتبه فيهم الثلاثة في وقت وجيز، ونقل الشرطي المصاب إلى المركز الاستشفائي الجامعي لتلقي العلاجات الضرورية، يعكسان أهمية التدخل الأمني في التعامل مع مثل هذه الوقائع. غير أن توقيف المشتبه فيهم ليس نهاية المسار، بل بداية البحث القضائي الذي ينبغي أن يكشف جميع الملابسات، ويحدد المسؤوليات، ويضمن تطبيق القانون وفقا للأدلة والوقائع الثابتة.

ومن موقعي كصحفي ومدير نشر، أقولها بوضوح: لا يجوز أن يتحول أداء الواجب الأمني إلى مخاطرة مفتوحة بحياة من يسهرون على أمننا. فرجال الشرطة ليسوا وحدهم في مواجهة المتهورين؛ إن المجتمع كله معني برفض الاعتداء عليهم، لأن المساس بسلامة الموظف المكلف بإنفاذ القانون يهدد أيضا قدرة المؤسسات على حماية المواطنين وضمان أمنهم.

وإذا أثبت البحث القضائي أن السائق تعمد استعمال السيارة للاعتداء على الشرطي أو تعريض حياته للخطر، فإن خطورة هذه الأفعال تستوجب تطبيق المقتضيات القانونية المناسبة، والمطالبة بإنزال العقوبات التي يقررها القانون بحسب التكييف القضائي الذي تثبته الأدلة. فلا تساهل مع العنف، ولا محاباة في تطبيق القانون، ولا ينبغي أن يشكل المال أو النفوذ أو الوضع الاجتماعي، أيا كان، سببا للإفلات من المساءلة.

وفي المقابل، فإن المطالبة بالصرامة لا تعني تجاوز قرينة البراءة أو إصدار أحكام مسبقة، وإنما تعني أن تأخذ المؤسسات المختصة الواقعة بالجدية اللازمة، وأن تتعامل مع خطورتها وفق القانون، وأن يحاسب كل من تثبت مسؤوليته بما يتناسب مع الأفعال المرتكبة.

إن هيبة الدولة لا تصان بالشعارات، وإنما بحماية المؤسسات التي تسهر على أمن المواطنين، وضمان سلامة موظفيها، وتطبيق القانون على الجميع دون استثناء. ولا يمكن أن نطالب الشرطي بالتضحية بوقته وجهده وسلامته من أجل حماية المجتمع، ثم نصمت عندما يتعرض للاعتداء أثناء أداء واجبه.

إن رجال الأمن يستحقون الاحترام والتقدير، لا لأنهم فوق القانون، بل لأنهم جزء أساسي من مؤسسات الدولة، ولأن المهام التي يضطلعون بها تقتضي توفير الحماية اللازمة لهم حتى يتمكنوا من أداء مسؤولياتهم في ظروف سليمة. وكل تجاوز يصدر عن أي موظف ينبغي أن يخضع بدوره للمساءلة، تماما كما ينبغي أن يخضع كل اعتداء على موظف الأمن للمحاسبة وفق القواعد القانونية ذاتها.

رسالتي واضحة: لا أحد فوق القانون، ولا أحد يملك الحق في تحويل سيارته إلى وسيلة تهدد حياة الآخرين، ولا يجوز أن يدفع رجل الأمن حياته ثمنا لقيامه بواجبه.

إن واقعة أكادير تستدعي أكثر من مجرد الاستنكار؛ إنها تستدعي ترسيخ ثقافة احترام القانون، وحماية رجال الأمن، ومحاسبة كل من يثبت تورطه في الاعتداء، بعيدا عن الامتيازات والمحسوبية والتساهل.

فحين يعتدى على رجل الأمن وهو يؤدي واجبه، فإن الواجب يقتضي الوقوف إلى جانب حقه في الحماية والعدالة، دون أن يعني ذلك الانتقام أو تجاوز القانون. فالعدالة وحدها هي التي تضمن المحاسبة وتحفظ الحقوق وتصون كرامة الجميع.

القانون فوق الجميع، وسلامة رجال الأمن جزء لا يتجزأ من سلامة المجتمع. ومن يثبت أنه تعمد الاعتداء على من يسهرون على أمن المواطنين، يجب أن يواجه تبعات أفعاله كاملة في إطار القانون، حتى تبقى الرسالة واضحة: لا مكان للتهور والعنف والإفلات من المحاسبة في دولة المؤسسات والحق والقانون.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى