في الواجهةكلمة السفير

شرطة النظافة بالدار البيضاء.. نبيلة الرميلي تختار جيب المواطن قبل تنظيف الشوارع!

شرطة النظافة بالدار البيضاء.. نبيلة الرميلي تختار جيب المواطن قبل تنظيف الشوارع!

السفير 24 – بقلم: حسن راقي – مدير النشر

لا أحد يعارض أن تكون الدار البيضاء مدينة نظيفة، ولا أحد يدافع عن الفوضى أو عن رمي النفايات في الشوارع والأزقة. لكن ما يستفز العقل ويطرح أكثر من علامة استفهام هو أن تتحول محاربة الأزبال، في تصور المسؤولين، إلى سباق نحو تحرير المخالفات وفرض الغرامات، قبل أن نرى على أرض الواقع مدينة توفر لمواطنيها أبسط شروط النظافة. فقبل أن تخرج عمدة الدار البيضاء، نبيلة الرميلي، ما يسمى بـ”شرطة النظافة” لمراقبة البيضاويين وزجرهم، عليها أن تجيب عن سؤال واضح ومباشر: أين هي الحاويات؟ وأين هي الأماكن المخصصة لرمي النفايات؟ وأين هي الخدمة المنتظمة التي تضمن للمواطن التخلص من أزباله في ظروف سليمة؟

من السهل أن نعلن عن فرق للمراقبة، وأن نتحدث عن غرامة تصل إلى 100 درهم، وأن نرفع شعار تطبيق القانون. لكن تدبير المدن لا يكون بالشعارات ولا باستعراض الإجراءات الزجرية، وإنما بتوفير الخدمات الأساسية أولا، ثم مطالبة المواطنين باحترام القواعد المنظمة لها. أما أن نبدأ بالعقوبة قبل توفير شروط الالتزام، فذلك يضع العربة أمام الحصان، ويجعل المواطن يتساءل عما إذا كانت الغاية هي تنظيف المدينة فعلا، أم إضافة عبء جديد على سكان يواجه كثير منهم صعوبات يومية في تدبير مصاريف العيش.

لنتحدث بصراحة، بعيدا عن لغة البلاغات والتصريحات المنمقة. ماذا سيفعل مواطن خرج بكيس نفاياته فلم يجد حاوية في محيط منزله؟ وماذا سيفعل حين يصل إلى الحاوية الوحيدة في الحي، فيجدها ممتلئة عن آخرها، والأزبال متراكمة حولها، وكأن المكان تحول إلى نقطة سوداء مفتوحة؟ هل سيعود بكيسه إلى المنزل ويضعه في المطبخ أو في الشرفة إلى أن تقرر الجهات المسؤولة إرسال شاحنة لجمع النفايات؟ وهل سيظل ينتظر إلى أن تفرغ الحاوية، مهما طال الانتظار، حتى لا يجد نفسه أمام مخالفة مالية؟

ثم ماذا لو وضع كيسه بجانب حاوية ممتلئة، فظهر أحد أعوان المراقبة وحرر له غرامة قدرها 100 درهم؟ هل سنعتبره مواطنا مستهترا بالنظافة، أم سنسأل أولا عن ظروف الواقعة، وعن مسؤولية الجهة التي لم توفر حاوية كافية أو لم تضمن إفراغها في الوقت المناسب؟ إننا لا نبحث عن أعذار لمن يتعمد تلويث الشوارع، بل نرفض أن يتحول غياب التجهيزات أو ضعف الخدمات إلى مشكلة يتحمل المواطن وحده ثمنها.

يا مسؤولي الدار البيضاء، المواطن ليس آلة للأداء، وليس جيبا مفتوحا لتصحيح اختلالات التدبير! هناك أسر تكافح من أجل توفير قوت يومها، وهناك مواطنون بالكاد يستطيعون تلبية حاجياتهم الأساسية، فهل يعقل أن نتعامل مع هؤلاء بمنطق الغرامات قبل أن نضمن لهم الحد الأدنى من الخدمات التي تدخل في صميم مسؤولية الجماعة؟ وكما نقول بالعامية المغربية: «واحد ما عندو حتى عشا ليلة، عاد نزيدو عليه 100 درهم»! هل هذه هي المقاربة التي ستجعل الدار البيضاء أكثر نظافة، أم أنها قد تزيد من الاحتقان وتعمق شعور المواطن بأن المسؤول لا يتذكره إلا عندما يتعلق الأمر بمعاقبته؟

إن النظافة ليست مشروعا عقابيا، ولا تختزل في مراقبين يجوبون الشوارع بحثا عن مخالفات. إنها منظومة متكاملة تبدأ بتوفير الحاويات الكافية، وتوزيعها بشكل منصف بين الأحياء، وضمان إفراغها بانتظام، وتنظيف محيطها، ومراقبة أداء الشركات المكلفة بجمع النفايات، ثم الانتقال إلى محاسبة كل من يتعمد تلويث الفضاء العام. أما القفز مباشرة إلى الزجر، دون تقييم دقيق للواقع الميداني، فهو اختصار لمشكلة معقدة في إجراء إداري قد يبدو حازما أمام الكاميرات، لكنه لن يحقق النتائج المرجوة إذا ظلت أسباب التلوث قائمة.

وإذا كانت عمدة الدار البيضاء مقتنعة بأن “شرطة النظافة” هي الحل، فإن المطلوب منها أن تقدم للبيضاويين تصورا واضحا ومتكاملا: كم عدد الحاويات المتوفرة فعليا؟ وهل تغطي مختلف الأحياء والأزقة؟ وما مدى انتظام عمليات جمع النفايات؟ وكيف ستتعامل فرق المراقبة مع الحاويات الممتلئة والنقاط التي تتكرر فيها الاختلالات؟ وهل ستراقب هذه الفرق المواطن وحده، أم ستراقب أيضا أداء الجهات المكلفة بالنظافة، وترفع تقارير بشأن التقصير والتأخر وسوء التدبير؟

نريد أن نرى شرطة نظافة تراقب الجميع، لا جهازا يسلط عينه على المواطن البسيط ويتجاهل الأسباب التي تدفع إلى تراكم النفايات. نريد مراقبة من يرمي الأزبال عشوائيا، لكننا نريد أيضا مراقبة من يتقاعس عن أداء واجبه، ومساءلة الشركات عن التزاماتها، ومحاسبة كل جهة يثبت تقصيرها في تدبير هذا القطاع. فهل ستتحلى الجماعة بالجرأة نفسها عندما يتعلق الأمر بمساءلة المتدخلين في قطاع النظافة، أم أن الحزم سيظهر فقط عندما يكون الطرف المقابل مواطنا لا يملك سوى أن يؤدي الغرامة أو يدخل في متاهة الاعتراض عليها؟

والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المسؤولين يسافرون إلى الخارج، ويشاهدون تجارب ناجحة في تدبير المدن، ثم يعودون إلى المغرب متحمسين لنقلها، وكأن نجاحها مرتبط فقط بالجانب الزجري. لكن هل ينقلون أيضا جودة الخدمات، وانتظام جمع النفايات، وتوفر الحاويات، واحترام المرافق العامة، وفعالية المراقبة والمحاسبة؟ أم أنهم يكتفون باستيراد الجانب الذي يتيح فرض الغرامات، ويتركون المواطن يواجه وحده واقعا مختلفا تماما عن الظروف التي نجحت فيها تلك التجارب؟

لا يمكن تطبيق تجربة ناجحة في مدينة أخرى بمجرد استنساخ جزء منها، لأن نجاح السياسات العمومية يرتبط بتوفير شروطها، وملاءمتها مع الواقع المحلي، وإشراك المواطنين في تنزيلها. وإذا كانت الجماعة تريد فعلا تغيير سلوك السكان، فعليها أن تبدأ بتحسين الخدمة، وتكثيف حملات التحسيس، وتوضيح أماكن التخلص من النفايات، وتوفير قنوات فعالة للتبليغ عن الحاويات الممتلئة، ثم تطبيق القانون على المخالفات التي تثبت بعد ذلك، دون انتقائية أو تعسف.

إننا أمام مسؤولية مشتركة، لكن المسؤوليات ليست متطابقة. فالمواطن مطالب بالحفاظ على نظافة محيطه، والجماعة مطالبة بتوفير المرافق والخدمات، والشركات المكلفة بالتدبير مطالبة بتنفيذ التزاماتها. ولا يجوز أن تتحول عبارة “المسؤولية المشتركة” إلى وسيلة لتخفيف مسؤولية المؤسسات وإلقاء العبء الأكبر على السكان. فمن حق المواطن أن يؤدي واجبه، لكن من حقه أيضا أن يتلقى خدمة عمومية في المستوى المطلوب، وأن يجد أمامه بنية مناسبة تمكنه من احترام القانون دون مشقة أو ارتباك.

ومن هنا، فإننا نطالب نبيلة الرميلي ومجلس جماعة الدار البيضاء بألا يجعلا من إطلاق “شرطة النظافة” مناسبة لتسويق صورة الحزم، بينما تظل الأسئلة الأساسية معلقة. المطلوب هو نشر معطيات واضحة حول تجهيز الأحياء بالحاويات، وبرامج جمع النفايات، وآليات مراقبة الشركات، وكيفية معالجة الشكايات. كما ينبغي توضيح المسطرة المعتمدة لتحرير المخالفات، وضمان حق المواطن في الاعتراض عندما يرى أن الغرامة لا تعكس حقيقة ما وقع، حتى لا يتحول تطبيق القانون إلى مصدر جديد للنزاع بين السكان والإدارة.

والأهم من ذلك كله أن المحاسبة يجب ألا تسير في اتجاه واحد. فإذا كان المواطن سيسأل عن كيس نفايات وضعه في غير مكانه، فمن حقه أن يسأل بدوره عن المشاريع والصفقات التي تدخل ضمن اختصاصات الجماعة، وعن الأموال العمومية التي رصدت لها، وعن النتائج التي تحققت على أرض الواقع. فلا يمكن أن نطالب السكان بالانضباط والشفافية في سلوكهم اليومي، بينما تظل بعض الملفات التي تهم تدبير الشأن العام بحاجة إلى توضيحات مقنعة.

وفي هذا السياق، تبرز التساؤلات التي أثيرت بشأن علامات التشوير التي سبق وضعها على الطريق السيار بين الدار البيضاء والمحمدية، ومصير تلك العلامات والتكلفة المرتبطة بالصفقة المعنية. وهي تساؤلات تستحق أجوبة رسمية موثقة توضح طبيعة المشروع، وكيفية تنفيذ الصفقة، ومآل التجهيزات التي أثير بشأنها النقاش. ولا يصح الجزم بوجود اختلالات أو تحميل أي طرف مسؤولية قبل التحقق من الوقائع، لكن من حق الرأي العام أن يحصل على المعلومات اللازمة، وأن يعرف كيف دبرت الأموال المرصودة، وما الذي تحقق مقابلها.

وهنا يبرز السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن أي نقاش حول تدبير المدينة: لماذا يطلب من المواطن أن يتحمل نتائج مخالفته فورا، بينما قد ينتظر الرأي العام طويلا للحصول على أجوبة بشأن ملفات التدبير والصفقات؟ إن مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لا يمكن أن يكون انتقائيا؛ فهو يشمل المواطن، كما يشمل المسؤولين والمؤسسات والمتدخلين في المرافق العمومية، كل في حدود اختصاصاته وما يثبت في حقه.

إن الدار البيضاء لا تحتاج إلى مزيد من الإجراءات التي تكتفي بمعالجة مظاهر الأزمة، بل تحتاج إلى تدبير جاد يواجه أسبابها. تحتاج إلى مسؤولين ينزلون إلى الأحياء، ويعاينون واقعها بعيدا عن الزيارات البروتوكولية، ويستمعون إلى السكان، ويتأكدون من أن الخدمات تصل إلى مستحقيها. تحتاج إلى سياسة نظافة واضحة، بمؤشرات قابلة للقياس، وجدول زمني للتنفيذ، وآليات للمراقبة والتقييم، لا إلى الاكتفاء بالإعلان عن فرق جديدة وانتظار أن تحل الغرامات ما عجزت عنه الخدمات.

ولنكن واضحين مرة أخرى: نحن لا ندافع عن المواطن الذي يتعمد تلويث الشارع، ولا نطالب بترك الفضاء العام رهينة للفوضى. بل نطالب بتطبيق القانون بعد توفير شروطه، وبمعاقبة المخالف الحقيقي، لا تحميل المواطن تبعات اختلالات لا يد له فيها. فالمدينة النظيفة لا تبنى بالخوف من الغرامة وحده، بل بخدمات جيدة، وتوعية مستمرة، وتجهيزات كافية، ومحاسبة عادلة، وثقة متبادلة بين السكان والمؤسسات.

إن كانت نبيلة الرميلي تريد أن تترك أثرا إيجابيا في تدبير العاصمة الاقتصادية، فلتبدأ بضمان نظافة الأحياء وتوفير الحاويات وانتظام جمع النفايات، ولتجعل من مراقبة جودة الخدمات جزءا أساسيا من مهام الفرق الجديدة. أما أن يظهر المواطن في واجهة المشهد بوصفه المتهم الأول، بينما تظل مسؤولية توفير الظروف الملائمة خارج دائرة النقاش، فذلك لن يكون إصلاحا متكاملا، بل معالجة ناقصة قد تزيد من غضب السكان بدل أن تكسب ثقتهم.

قبل أن تسألوا المواطن: لماذا رميت الأزبال هنا؟ اسألوا أولا: أين الحاوية التي كان يفترض أن يجدها؟ ولماذا تركت ممتلئة؟ ومن المسؤول عن جمع النفايات في الوقت المناسب؟

هذا هو الامتحان الحقيقي لجماعة الدار البيضاء، لا عدد المخالفات التي ستحررها “شرطة النظافة”، ولا حجم الغرامات التي ستفرض على السكان. فالنجاح لا يقاس بما ستجمعه الجماعة من أموال العقوبات، بل بما ستنجح في إزالته من نقاط سوداء، وتحسينه من خدمات، واستعادته من ثقة المواطنين. فالمدينة التي تريد من مواطنيها احترام القانون، عليها أولا أن تثبت أنها تحترم حقهم في خدمات عمومية لائقة، وأنها مستعدة للمحاسبة بالصرامة نفسها التي تريد تطبيقها عليهم.

واسمحوا لي إن أطلت عليكم، لكن الغيرة على مدينتنا والحرص على كرامة مواطنيها يفرضان علينا قول كلمة الحق، فالنقد ليس عداء، بل مسؤولية، والصمت عن الاختلالات ليس حلا.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى