
السفير 24
تتجه الأنظار من جديد إلى طريقة تدبير سلك الدكتوراه بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، في ظل معطيات توصلت بها “السفير 24” من مصادر مطلعة، تفيد بوجود عدد من الإشكالات المرتبطة بكيفية تدبير مباريات الولوج إلى سلك الدكتوراه، ونشر لوائح الناجحين، وشروط تأطير الطلبة، فضلا عن طبيعة القرارات المتخذة والجهات التي تتحمل مسؤولية إصدارها وتنفيذها. وهي معطيات، إذا تأكدت رسميا، تطرح أسئلة جدية حول مدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص ووضوح المساطر داخل مؤسسة جامعية عمومية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن أحد الأساتذة بكلية عين السبع سبق أن لجأ إلى القضاء ضد جامعة الحسن الثاني على خلفية قضية مرتبطة بمباراة الولوج إلى سلك الدكتوراه، بعدما اجتاز الطلبة المباراة، في وقت لم يتم فيه، وفق المعطيات المتوفرة، نشر اللائحة الرسمية للناجحين. والأكثر إثارة للانتباه أن عددا من الطلبة، حسب المصادر نفسها، كانوا قد علموا بأنهم نجحوا في المباراة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام غياب اللائحة الرسمية التي يفترض أن تحسم بشكل واضح في وضعيتهم الأكاديمية.
ومن هنا تبرز أولى علامات الاستفهام التي تستدعي جوابا رسميا من رئاسة الجامعة والمسؤولين عن تدبير سلك الدكتوراه، إذا كانت المباراة قد أجريت فعلا، وإذا كان الطلبة قد اجتازوا الاختبارات، وإذا كانت عملية تقييم المترشحين قد تمت، فما الذي حال دون نشر اللائحة النهائية للناجحين؟ ثم، إذا كان هناك مانع قانوني أو إداري أو أكاديمي حال دون ذلك، فلماذا لم يتم إخبار المعنيين بالأمر بقرار رسمي معلل يوضح الأسباب ويحدد مآل المباراة؟
والأكثر من ذلك، تشير مصادر “السفير 24” إلى أن الأساتذة المعنيين كانوا قد استفادوا من المنصة المخصصة لوضع مواضيع مباريات الدكتوراه، وهو ما يفتح بابا آخر من التساؤلات حول تسلسل القرارات داخل الجامعة. فإذا كانت الجامعة قد فتحت المنصة أمام الأساتذة من أجل إعداد مواضيع المباراة، فما الذي تغير لاحقا حتى أصبحت نتائج المباراة غير قابلة للنشر؟ وإذا كانت هناك، منذ البداية، قيود مرتبطة بطاقة الأساتذة على التأطير، فلماذا تم إشراكهم في إعداد المباراة وفتح المجال أمام الطلبة للتقدم إليها؟
وفي السياق ذاته، تفيد المعطيات التي توصلت بها الجريدة بأن عددا من الأساتذة تم إخبارهم بأنهم بلغوا الحد الأقصى المسموح به في تأطير طلبة الدكتوراه، والمحدد في ثمانية طلبة. وهنا تحديدا يبرز السؤال الذي لا يمكن تجاوزه، والمتعلق بالسند القانوني الذي تستند إليه الجامعة في اعتماد هذا السقف؛ إذ إن الأمر لا يتعلق بتوجيه إداري بسيط، وإنما بقاعدة لها انعكاس مباشر على الأستاذ والطالب وعلى إمكانية الولوج إلى سلك الدكتوراه.
وعليه، فإن السؤال الموجه إلى نائب رئيس جامعة الحسن الثاني المكلف بقطب دراسات الدكتوراه لا يتعلق بشخصه، وإنما بالقرار الذي يتم تطبيقه: ما هو النص القانوني أو التنظيمي الذي يحدد عدد طلبة الدكتوراه الذين يمكن للأستاذ تأطيرهم في ثمانية؟ وهل يتعلق الأمر بمقتضى صادر عن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، أم بمقرر أو نظام داخلي للجامعة، أم بقرار صادر عن إحدى هياكلها المختصة؟ وإذا كان القرار داخليا، فمتى صدر، ومن صادق عليه، وكيف تم إخبار الأساتذة والطلبة به؟
وفي مقابل ذلك، تطرح مصادر “السفير 24” تساؤلا آخر حول مدى وجود اختلاف بين جامعة الحسن الثاني وبعض الجامعات المغربية الأخرى في تدبير سقف التأطير، وهو ما يجعل الحاجة إلى توضيح المرجعية القانونية أكثر إلحاحا. فإذا كانت هناك خصوصية قانونية أو تنظيمية تخص جامعة الحسن الثاني، فإن تقديم النص الذي يؤسس لها كفيل بإنهاء الجدل. أما إذا كان الأمر يتعلق باجتهاد إداري داخلي، فمن حق الأسرة الجامعية أن تعرف الجهة التي اعتمدته والأساس الذي استندت إليه.
وبالتوازي مع ذلك، فإن قضية الطلبة تبقى في صلب هذا الملف، خصوصا أن مصادر الجريدة تؤكد أن عددا منهم ما زال، بعد مرور نحو سنتين، يتردد على الجامعة للاستفسار عن مصير المباراة والنتائج. والأمر هنا لا يتعلق بمجرد انتظار إداري عادي، بل بمستقبل طلبة اختاروا مسار البحث العلمي، وتحملوا عناء التنقل من مدن مختلفة من أجل اجتياز مباراة يفترض أن تخضع لمساطر واضحة، قبل أن يجدوا أنفسهم أمام وضعية معلقة لا يعرفون فيها هل هم ناجحون أم غير ناجحين، وما هو المبرر الرسمي لعدم نشر اللائحة.
وفي هذا الإطار، تشير المعطيات المتوفرة إلى أن طالبا آخر سبق أن لجأ بدوره إلى القضاء في مواجهة رئاسة الجامعة بشأن هذه القضية. وبطبيعة الحال، فإن اللجوء إلى القضاء لا يعني ثبوت مسؤولية أي طرف، باعتبار أن الحسم في المنازعات من اختصاص القضاء وحده، غير أن وجود نزاع قضائي إلى جانب استمرار تساؤلات الطلبة والأساتذة يجعل من الضروري فتح نقاش مؤسساتي واضح حول طريقة تدبير هذا الملف، وتحديد المسؤوليات والاختصاصات بدقة.
ومن جهة أخرى، تبرز مسألة المسؤولية داخل الجامعة باعتبارها واحدة من أهم الأسئلة التي تحتاج إلى توضيح. فإذا كانت القرارات المتعلقة بالولوج إلى الدكتوراه والتأطير ونشر النتائج تمر عبر هياكل جامعية محددة، فما هي حدود اختصاص نائب رئيس الجامعة المكلف بالدكتوراه؟ وما هي حدود مسؤولية رئيس الجامعة؟ ومن هي الجهة التي تتخذ القرار النهائي في مثل هذه الملفات؟ وهل يتم اتخاذ القرارات بشكل فردي، أم أنها تمر عبر المجالس والهياكل الأكاديمية والإدارية التي يحددها القانون؟
وإذا كانت رئاسة الجامعة قد فوضت أو أسندت تدبير عدد من الملفات المتعلقة بالدكتوراه إلى نائب الرئيس المكلف بهذا القطاع، فإن ذلك لا يعفي المؤسسة من توضيح آليات اتخاذ القرار والمسؤولية عنه، لأن الأمر يتعلق في النهاية بمؤسسة عمومية وبقرارات تمس مستقبل الطلبة والأساتذة. ولذلك، فإن السؤال المشروع ليس “من يفعل كل شيء؟”، وإنما “من يملك الاختصاص القانوني، ومن يصادق، ومن يتحمل المسؤولية؟”.
ولا تتوقف تداعيات هذا الملف، وفق مصادر “السفير 24″، عند الطلبة وحدهم، إذ تتحدث المعطيات عن حالة من الاستياء في صفوف بعض الأساتذة، وصلت، حسب المصادر، إلى التفكير في عدم مواصلة التأطير بسبب طريقة تدبير سلك الدكتوراه. وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تستحق بدورها معالجة جدية، لأن عزوف الأساتذة عن التأطير قد تكون له انعكاسات مباشرة على البحث العلمي وعلى المختبرات وعلى قدرة الجامعة على تكوين جيل جديد من الباحثين.
وفي السياق نفسه، أفادت مصادر الجريدة بأن بعض الكليات التابعة لجامعة الحسن الثاني شهدت خلال السنة الماضية وضعية لم تجد فيها العدد الكافي من الطلبة المستفيدين من المنحة الدراسية، وربطت المصادر ذلك بسياسة تقليص أعداد الملتحقين بسلك الدكتوراه. وهذه النقطة، بطبيعة الحال، تحتاج إلى أرقام ومعطيات رسمية حتى يمكن التحقق منها، غير أنها تطرح سؤالا مهما حول الآثار غير المباشرة لأي سياسة تحد من الولوج إلى الدكتوراه، خصوصا إذا كانت تؤثر على عدد الطلبة المسجلين وعلى الاستفادة من الموارد المخصصة للتكوين والبحث العلمي.
وبناء على كل هذه المعطيات، تضع “السفير 24” هذا الملف أمام رئاسة جامعة الحسن الثاني ونائب الرئيس المكلف بقطب دراسات الدكتوراه، ليس بهدف إصدار أحكام مسبقة أو توجيه اتهامات غير مثبتة، وإنما من أجل الحصول على أجوبة واضحة عن أسئلة تهم الطلبة والأساتذة والرأي العام الجامعي. وفي مقدمة هذه الأسئلة: لماذا لم تنشر لائحة الناجحين في المباراة المعنية رغم مرور نحو سنتين؟ وهل صدرت نتائج رسمية أصلا؟ وإذا صدرت، فأين تم نشرها؟ ولماذا فتحت المنصة للأساتذة لوضع مواضيع المباريات إذا كان بعضهم قد بلغ سقف التأطير؟ وما هو السند القانوني الذي يحدد تأطير الأستاذ في ثمانية طلبة؟ ومن الجهة التي اتخذت قرار عدم نشر النتائج؟ وما هي الإجراءات التي اتخذتها رئاسة الجامعة لمعالجة وضعية الطلبة المعنيين؟
إن هذه الأسئلة لا تحتاج إلى إجابات عامة أو عبارات فضفاضة، وإنما تحتاج إلى وثائق وقرارات ونصوص قانونية واضحة، لأن الأمر يتعلق بمسار أكاديمي وبمستقبل طلبة وبحقوق أساتذة وبسمعة مؤسسة جامعية يفترض أن تكون الحكامة والشفافية وتكافؤ الفرص من ركائزها الأساسية.
وفي انتظار توضيحات رسمية من الجهات المعنية، تؤكد “السفير 24” أن دور الصحافة لا يتمثل في إصدار الأحكام، وإنما في طرح الأسئلة وكشف مكامن الخلل المحتملة ومطالبة المسؤولين بتقديم التوضيحات اللازمة، مع احترام قرينة البراءة والتمييز بين المعطيات التي تحتاج إلى إثبات وبين الوقائع الثابتة بالوثائق. ومن هذا المنطلق، فإن ملف الدكتوراه بجامعة الحسن الثاني يستحق جوابا مؤسساتيا واضحا، لأن الطلبة الذين اجتازوا المباريات لا يحتاجون إلى الانتظار أكثر، والأساتذة الذين يطرحون أسئلة حول التأطير يحتاجون إلى معرفة السند القانوني، والرأي العام الجامعي من حقه أن يعرف كيف تتخذ القرارات التي تحدد مستقبل البحث العلمي.
وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال الأكبر الذي يفرض نفسه بقوة: هل تدبير سلك الدكتوراه بجامعة الحسن الثاني يتم وفق قواعد قانونية مكتوبة وموحدة وواضحة للجميع، أم أن بعض القرارات ما زالت تترك لاجتهادات إدارية تحتاج إلى تفسير ومراجعة؟
والجواب عن هذا السؤال لا تملكه “السفير 24″، ولا ينبغي أن تملكه الصحافة أصلا، وإنما تملكه الوثائق والقوانين والقرارات الرسمية. ولذلك، فإن الكرة الآن في ملعب الجامعة لتقدم للرأي العام توضيحاتها كاملة، بعيدا عن الغموض، وبما يضع حدا للأسئلة التي ظلت معلقة طوال هذه المدة.
يتبع…



