
السفير 24
عاد اسم هشام جيراندو إلى واجهة الجدل في كندا والمغرب، لكن هذه المرة من زاوية تتجاوز سجالات مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما نشر الصحافي الكندي المتخصص في قضايا الجريمة المنظمة دانييل روبسون، عبر صحيفة «Western Standard»، تحقيقا يطرح معطيات واتهامات بالغة الخطورة بشأن طبيعة علاقات جيراندو وتحركاته من الأراضي الكندية، وما إذا كانت بعض أنشطته الرقمية تتقاطع مع شبكات مرتبطة بالمخدرات وتهريب المهاجرين والابتزاز.
ويستند التحقيق، بحسب ما نشرته وسائل إعلام تناولت مضمونه، إلى سلسلة من التسريبات الرقمية المنسوبة إلى مجموعة تطلق على نفسها اسم «Atlas Hacks»، وتضم مراسلات ومحادثات خاصة منسوبة إلى جيراندو وأشخاص من محيطه، وهي معطيات تطرح، في حال ثبوت صحتها والتحقق منها قضائيا، أسئلة ثقيلة حول طبيعة الاتصالات التي جرت عبر هذه الشبكة والغاية منها.
وبحسب الرواية التي يعرضها التحقيق، فإن طريقة العمل المفترضة تقوم على جمع معلومات وصور عن أشخاص مستهدفين، بعضها يتم الحصول عليه عبر وسطاء لهم صلات بأوساط إجرامية، قبل استعمال تلك المعطيات في حملات رقمية ضد المستهدفين، لتدخل بعد ذلك عملية تفاوض حول وقف النشر أو حذف بعض المحتويات مقابل مبالغ مالية. ويظل هذا الوصف، إلى حين التحقق المستقل والقضائي من التسجيلات والمراسلات، ضمن نطاق الادعاءات التي أوردها التحقيق.
ولا تقف المعطيات المتداولة عند هذا الحد، إذ يتحدث التحقيق عن اتجاه معاكس أيضا، يتمثل في استخدام المنصات الرقمية لضرب منافسين داخل أسواق غير مشروعة، من خلال تزويد جيراندو، وفق ما يورده المصدر، بأسماء وصور ومعلومات عن أشخاص آخرين، بما يحول الصراع بين أطراف متنافسة إلى حملات ضغط وتشويه عبر الإنترنت. كما تطرح بعض المحادثات، بحسب التحقيق، تساؤلات حول وجود ترتيبات مالية مرتبطة بعائدات عمليات تهريب، وهي ادعاءات تبقى بدورها بحاجة إلى تحقيق رسمي مستقل لإثباتها أو نفيها.
وفي الجانب المالي، يثير التحقيق مسألة تحويل أموال عبر وسطاء وحسابات خارج كندا، من بينها مسارات مرتبطة بتركيا، في سياق مفاوضات مالية مزعومة لوقف نشر محتويات معينة. كما يتطرق إلى مزاعم بشأن ارتباط بعض التدفقات المالية بأنشطة تهريب مهاجرين من تركيا نحو أوروبا. ومرة أخرى، فإن خطورة هذه المعطيات تجعل التحقق من مصدر الأموال وحقيقة التحويلات وطبيعة المستفيدين منها مسألة يفترض أن تحسمها الجهات المختصة، لا التداول الإعلامي وحده.
واللافت في القضية أن السؤال لم يعد، بحسب التحقيق الكندي، متعلقا فقط بمضمون ما ينشره جيراندو على المنصات الرقمية، وإنما انتقل إلى طبيعة النشاط الذي يمكن أن يكون خلف هذه الحملات، والجهات التي قد تتواصل معه، ومصادر المعلومات والأموال التي تظهر في بعض التسريبات المنسوبة إليه.
وفي هذا السياق، يطرح دانييل روبسون سؤالا مباشرا بشأن مدى تحرك السلطات الكندية، ولا سيما الشرطة الفيدرالية الكندية، للتحقق من هذه المعطيات، خاصة في ظل وجود مزاعم تتعلق بشخص يقيم ويعمل من الأراضي الكندية، بينما تمتد الخيوط التي يصفها التحقيق إلى المغرب وتركيا وشبكات إجرامية عابرة للحدود.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية أكبر بالنظر إلى أن السلطات المغربية سبق أن أوقفت أشخاصا قدموا في سياقات إعلامية باعتبارهم وسطاء أو عناصر مرتبطة بشبكات تدور حول جيراندو، بينما لا يبدو، وفق ما أورده التحقيق، أن هناك في المقابل تحقيقا فيدراليا كنديا معلنا بالحجم نفسه حتى الآن.
كما يستعيد الملف في هذا السياق سوابق قضائية مرتبطة بجيراندو في كندا، إذ تشير التغطية المنشورة إلى صدور أحكام أو عقوبات سابقة بحقه، من بينها قضايا مرتبطة بعدم احترام أوامر قضائية، فضلا عن أحكام مالية في قضايا تشهير، وهي معطيات تمنح التحقيق الحالي خلفية إضافية، وإن كانت لا تثبت بمفردها صحة الاتهامات الجديدة.
ومن جهة أخرى، تناول التحقيق النشاط التجاري لجيراندو في كندا، وأشار إلى وجود شركات مرتبطة باسمه في سجلات تجارية، لكنه شدد، بحسب التغطية المنشورة، على أن التسريبات التي استند إليها لا تثبت أن تلك الشركات تلقت أموالا ناتجة عن الأنشطة الإجرامية المزعومة. ولذلك فإن أي حديث عن استعمال شركات أو حسابات تجارية لغسل أموال يظل فرضية تحقيقية تحتاج إلى إثبات رسمي ومستندات مالية موثوقة.
وفي المحصلة، فإن ما نشرته «Western Standard» لا يمثل حكما قضائيا نهائيا، لكنه يرفع سقف الأسئلة حول طبيعة شبكة العلاقات التي تحيط بجيراندو، وحول ما إذا كانت الاتصالات والتسجيلات المتداولة حقيقية وقابلة للإثبات، وما إذا كانت تتضمن بالفعل عناصر تستوجب فتح تحقيق جنائي ومالي في كندا.
وهنا تحديدا تكمن أهمية القضية: فإذا كانت التسجيلات والمراسلات المتداولة مفبركة أو مجتزأة، فإن الطريق الطبيعي لإسقاطها هو التحقيق التقني والقضائي الذي يكشف حقيقتها؛ أما إذا ثبتت صحتها وتأكدت المضامين التي تتضمنها، فإن الأمر لن يعود مجرد خلاف على محتوى رقمي أو حملات على مواقع التواصل، بل سيصبح ملفا يستوجب تعامل الأجهزة المختصة معه باعتباره قضية محتملة ذات أبعاد عابرة للحدود.
وبين الرواية والرد، وبين التسريبات والتحقق، يبقى الفيصل الحقيقي هو التحقيق المستقل والأدلة القابلة للإثبات أمام القضاء. أما السؤال الأكبر الذي طرحه التحقيق الكندي فيبقى مفتوحا: هل يتعلق الأمر بنشاط رقمي مثير للجدل، أم أن خلف هذا النشاط شبكة علاقات وعمليات تتجاوز بكثير ما يظهر على شاشات الهواتف؟



