
السفير 24 – خاص
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تبدو دائرة أنفا بالدار البيضاء أمام مشهد سياسي يستحق الكثير من التوقف والتأمل، ليس بسبب تنافس البرامج والمشاريع فقط، وإنما بسبب ما أصبح يطفو على السطح من انتقالات حزبية ومساندات وتبدلات في المواقع، في صورة باتت تشبه إلى حد كبير ما يصطلح عليه شعبيا بـ”الميركاتو السياسي”. أسماء كانت بالأمس داخل حزب، نجدها اليوم داخل حزب آخر، وأخرى تنتمي إلى حزب لكنها تساند مرشحا من لون سياسي مغاير، فيما يتحرك البعض بحثا عن التزكية أو الموقع الانتخابي، بينما يبقى المواطن الأنفاوي أمام سؤال جوهري لا يمكن القفز عليه: ماذا قدم هؤلاء للساكنة حتى يطلبوا منها اليوم تجديد الثقة أو منحها لأول مرة؟
وبطبيعة الحال، فإن تغيير الحزب في حد ذاته لا يشكل جريمة، وقد تكون وراءه أسباب سياسية أو تنظيمية، غير أن المشرع المغربي وضع مقتضيات للحد من الترحال السياسي، من أبرزها المادة 20 من القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، التي ترتب أثرا على المنتخب الذي يتخلى، خلال مدة الانتداب، عن الانتماء للحزب الذي ترشح باسمه. غير أن النقاش في دائرة أنفا يتجاوز الجانب القانوني إلى السؤال السياسي والأخلاقي حول دوافع هذه الانتقالات، خصوصا عندما يصبح تغيير الحزب وسيلة لإعادة التموضع بحثا عن التزكية أو الموقع الانتخابي، أو عندما يساند منتخب باسم حزب مرشحا من حزب آخر. وهنا يبقى السؤال مشروعا: ماذا قدم هؤلاء للساكنة؟ لأن تغيير اللون السياسي لا يمحو الحصيلة السابقة، والتزكية الجديدة لا تصنع وحدها ثقة المواطن، التي لا تبنى إلا بالحضور والعمل الميداني.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الدكتور المحمدي العلوي، الذي كان ينتمي إلى حزب التجمع الوطني للأحرار قبل أن ينتقل إلى حزب الأصالة والمعاصرة، في خطوة أعادت وضعه ضمن الحسابات الانتخابية الجديدة بدائرة أنفا. وقد تم تداول هذا الانتقال في سياق تعزيز لائحة نجوى كوكوس، الأمر الذي يجعل السؤال مشروعا حول دوافع الانتقال وتوقيته، دون أن يعني ذلك الحكم مسبقا على النيات. فإذا كانت هناك قناعة سياسية جديدة، فمن حق الرأي العام أن يعرف أسبابها، وإذا كان الأمر مرتبطا بخلافات أو باختيارات تنظيمية، فمن حق المواطن أن يفهمها، لكن السؤال الذي يظل أهم من كل ذلك هو: ما هي الحصيلة التي سيقدمها محمد العلوي لساكنة أنفا؟ فالمواطن لا ينتقل خلف السياسي كلما انتقل هذا الأخير من حزب إلى آخر، ولا يعتبر تغيير الانتماء في حد ذاته إنجازا، لأن الثقة الشعبية لا تنتقل بمجرد تغيير اللافتة الحزبية.
وبالموازاة مع ذلك، نجد كنزة الشرايبي، رئيسة مقاطعة سيدي بليوط، التي كانت تنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة قبل انتقالها إلى حزب الاتحاد الدستوري، لتدخل بدورها الحسابات الانتخابية بدائرة أنفا. وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحا، لأن الشرايبي لا تدخل السباق باعتبارها وجها جديدا تماما، وإنما تحمل معها تجربة تدبيرية كرئيسة لمقاطعة سيدي بليوط، وبالتالي فإن من حق الساكنة أن تسأل عن حصيلتها وعن طبيعة تدبيرها وعن الملفات التي اشتغلت عليها. كما أن الانتقادات التي يوجهها بعض سكان سيدي بليوط والتجار إلى طريقة تدبيرها وعلاقتها بالمواطنين تجعل من الضروري أن تكون الحصيلة حاضرة في النقاش، لأن تغيير الحزب لا يلغي التجربة السابقة ولا يمحو ما راكمته المسؤولة خلال فترة تحملها المسؤولية. فإذا كانت الحصيلة إيجابية، فلتقدم بالأرقام والوقائع، وإذا كانت هناك انتقادات ومشاكل، فالمطلوب هو الرد عليها بالحجج والمعطيات، لا بمجرد الانتقال من لون سياسي إلى آخر.
وفي السياق نفسه، يبرز رضوان الحلايسي، الذي كان ينتمي إلى حزب الديمقراطيون الجدد، قبل أن ينتقل إلى حزب الاستقلال، حيث يظهر اليوم في مساندة المرشح الاستقلالي حسان البركاني باسم حزب الاستقلال. وهذا الوضع يفتح بدوره بابا واسعا للتساؤلات حول طبيعة هذه المساندة وخلفياتها السياسية، خصوصا عندما نجد منتخبا كان ينتمي إلى حزب، ثم ينتقل إلى حزب آخر ويضع ثقله في دعم مرشح ينتمي إليه. قد تكون المساندة شخصية، وقد تكون نتيجة تقارب سياسي، وقد تكون جزءا من حسابات انتخابية، ولا يمكن للصحافة أن تحكم على النيات دون دليل، لكن من حق المواطن أن يسأل عن طبيعة هذا الاصطفاف، وعن مبرراته، وعن ما إذا كان مجرد موقف سياسي عابر أم جزءا من ترتيبات أوسع. وفي السياسة، لا يكفي دائما القول “لا نريد منكم جزاء ولا شكورا”، لأن التحالفات والمساندات لها سياقاتها وحساباتها، ولذلك يبقى السؤال مشروعا، وكما يقول المثل المغربي: “ما كاينش شي عافية بلا دخان”، والفاهم يفهم.
أما عزيز شبين، الذي كان ينتمي إلى حزب الاستقلال قبل انتقاله إلى حزب الأصالة والمعاصرة رفقة وكيلة اللائحة نجوى كوكوس، فتتجه الأنظار أيضا إلى ملف “الصقالة”، الذي يرتبط باسمه في سياق حديث عن حكم قضائي بالإفراغ، في وقت يروج في الكواليس أن مركز أجيال قد يكون البديل المطروح لتعويض هذا الموقع في حال آلت رئاسة أحمد بريجة مجلس العمالة إلى حزب الأصالة والمعاصرة. وإذا صحت هذه المعطيات، فإن الأمر لا يعود مجرد انتقال حزبي أو مساندة انتخابية عابرة، بل يطرح سؤالا أكبر حول طبيعة الحسابات التي تقف وراء هذه التحركات: هل نحن أمام اصطفاف سياسي عادي، أم أمام منطق “رابح – رابح” حيث لكل طرف ما ينتظره من الطرف الآخر؟ وبطبيعة الحال، تبقى هذه المعطيات في حاجة إلى وثائق واضحة تؤكدها، لكن تداولها في الأوساط السياسية والانتخابية بدائرة أنفا يفرض طرح السؤال بصراحة: هل أصبح مركز أجيال مطروحا كتعويض عن “الصقالة”، أم أن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد حديث انتخابي يراد منه جس النبض؟ فـ”ما كاينش شي عافية بلا دخان”… والفاهم يفهم.
ومن جهة أخرى، يأتي اسم حسان البركاني، الذي ليس وجها جديدا على المشهد الانتخابي، بل سبق له أن حمل ثقة المواطنين ومارس مسؤولية برلمانية، وهو ما يجعل الحديث عن حصيلته أكثر أهمية من الحديث عن وعود جديدة. فالذي سبق له أن تحمل مسؤولية التمثيل لا يمكنه أن يطلب من المواطن أن يبدأ معه من الصفر، وإنما يفترض أن يقدم كشف حساب عن المرحلة السابقة، وأن يوضح ما الذي أنجزه وما الذي تعذر عليه إنجازه ولماذا. وفي المقابل، تثار انتقادات من طرف بعض المتابعين والساكنة حول محدودية حضوره وسط المواطنين، حيث يرى منتقدوه أنه يظهر في بعض المناسبات والأنشطة المرتبطة بغرفة الصناعة والتجارة والخدمات، بينما لا يلمس المواطن العادي حضورا ميدانيا دائما بالقدر الذي ينتظره ممن صوت عليه. ومهما اختلفت الآراء حول هذه النقطة، فإن السؤال يبقى مشروعا: هل يعرف البركاني مشاكل الأحياء والتجار والسكان من الميدان، أم أن حضوره يظل مرتبطا أكثر بالمناسبات والمؤسسات؟ فالمنتخب الحقيقي لا يقاس بعدد المناسبات التي يحضرها، وإنما بقدرته على متابعة الملفات وحمل شكاوى المواطنين والدفاع عن مصالحهم.
أما نجوى كوكوس، التي تدخل السباق بدائرة أنفا باسم حزب الأصالة والمعاصرة، فإنها بدورها مطالبة بأن تجعل الحضور الميداني والحصيلة محور خطابها، لأن التزكية الحزبية، مهما كانت قوية، لا تعني تلقائيا امتلاك ثقة المواطن. صحيح أن لديها مسارا حزبيا وبرلمانيا، لكن الناخب الأنفاوي يريد أن يعرف ماذا ستقدم له داخل الدائرة، وما الملفات التي ستدافع عنها، وما الذي يجعلها مختلفة عن باقي المتنافسين. فالمنصب الحزبي لا يعوض الحضور المحلي، والموقع التنظيمي لا يكفي وحده لبناء ثقة انتخابية، كما أن اختيار دائرة للترشح فيها لا يجعل المرشح تلقائيا جزءا من نسيجها الاجتماعي واليومي. المواطن يعرف من يعيش معه، ومن يتابع مشاكله، ومن يظهر فقط عندما تقترب الانتخابات.
وهكذا، فإن الصورة التي تتشكل في أنفا لا تبدو مرتبطة فقط بالتنافس الطبيعي بين الأحزاب، وإنما أيضا بموجة من إعادة التموضع السياسي التي تجعل السؤال حول الحصيلة أكثر إلحاحا. محمد العلوي ينتقل من الأحرار إلى الأصالة والمعاصرة، كنزة الشرايبي تنتقل من الأصالة والمعاصرة إلى الاتحاد الدستوري، رضوان الحلايسي ينتقل إلى حزب الاستقلال ويساند حسان البركاني، وعزيز شبين يظهر في مساندة البركاني، فيما تدخل نجوى كوكوس السباق بدعم حزبي واستقطابات جديدة، بينما يعود حسان البركاني إلى المنافسة مستندا إلى تجربة سابقة. وبين كل هذه التحركات، يبقى المواطن في صلب المشهد، والسؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا قدمتم لنا؟
فالمشكلة ليست في تغيير الحزب، وإنما في أن يتحول تغيير الحزب إلى بديل عن الحصيلة، وليست في مساندة مرشح، وإنما في أن تصبح المساندة بديلا عن العمل، وليست في الحصول على تزكية، وإنما في أن تتحول التزكية إلى شهادة كفاءة سياسية لا يمنحها المواطن. فالمرشح الذي يملك حصيلة يستطيع أن يعرضها، والذي يملك حضورا يستطيع أن يثبته، والذي يملك مشروعا يستطيع أن يشرحه، أما الذي لا يملك سوى الاسم والتزكية والمساندة، فسيظل أمام السؤال نفسه الذي لن يستطيع أي حزب أن يجيب عنه نيابة عنه: ماذا فعلت لأنفا؟
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في المشهد الانتخابي هو أن تتحول الدائرة إلى مجرد محطة للباحثين عن المناصب، وأن يصبح المواطن مجرد رقم انتخابي يظهر اسمه في اللوائح ويختفي بعد انتهاء الاقتراع. أنفا ليست مجرد دائرة انتخابية، وإنما فضاء يعيش فيه مواطنون لهم مشاكلهم وانتظاراتهم وذاكرتهم السياسية، وهم قادرون على التمييز بين من كان قريبا منهم ومن لم يظهر إلا في المواسم الانتخابية. لذلك فإن كل من يريد أن يمثل أنفا في البرلمان عليه أن يدرك أن الطريق إلى المقعد لا تمر فقط عبر الحزب والتزكية والمساندين، وإنما تمر أولا عبر المواطن.
وفي النهاية، فإن “السفير 24” لا تتدخل في اختيارات الأحزاب، ولا تمنح صكوك البراءة أو الإدانة، ولا تحاكم النيات، وإنما تقوم بدورها الصحفي في طرح الأسئلة التي تهم الرأي العام، وتسليط الضوء على التحولات التي تعرفها الساحة السياسية، ومطالبة كل من يطلب ثقة المواطن بأن يقدم ما لديه من حصيلة ووقائع وبرامج. فإذا كان تغيير الحزب ناتجا عن قناعة، فليشرح صاحبه قناعته، وإذا كانت المساندة سياسية، فلتكن واضحة، وإذا كانت هناك حصيلة، فلتوضع أمام المواطن، وإذا كانت هناك انتقادات، فليتم الرد عليها بالمعطيات والوثائق.
ففي النهاية، الحزب يمنح التزكية، والمساندون قد يرفعون من حظوظ المرشح، والحملات قد تصنع الضجيج، لكن المواطن وحده هو من يمنح الثقة. وقد يتغير الحزب، وقد تتغير التحالفات، وقد تتغير الأسماء، لكن ذاكرة الناخب لا تتغير بسهولة. ولهذا فإن السؤال الحقيقي في أنفا لن يكون: من انتقل إلى من؟ ومن يساند من؟ وإنما سيكون: من قدم شيئا للساكنة، ومن كان حاضرا معها، ومن يملك حصيلة يستطيع الدفاع عنها أمام الناس؟
وعندما يصل يوم الاقتراع، لن تنفع كل حسابات “الميركاتو” إذا لم تكن وراءها ثقة حقيقية. فالمواطن قد يسمع الخطاب، وقد يرى الصور، وقد يتابع المساندات والانتقالات، لكنه في النهاية يضع ورقته في الصندوق بناء على ما يراه ويؤمن به. ولذلك، فإن أنفا لا تحتاج إلى كثرة الألوان بقدر ما تحتاج إلى وضوح المواقف، ولا تحتاج إلى كثرة المساندين بقدر ما تحتاج إلى حضور حقيقي، ولا تحتاج إلى مرشحين يتنافسون على التزكية بقدر ما تحتاج إلى منتخبين يتنافسون على خدمة المواطن.
فالميركاتو قد يغير القميص، لكنه لا يغير الحصيلة، والتزكية قد تفتح باب الانتخابات، لكنها لا تفتح باب ثقة المواطن… والفاهم يفهم.



