في الواجهةوطنية

الفضاء السيبراني في قلب الصراع الجيوسياسي.. تحليل يفكك مزاعم استهداف المؤسسات الأمنية المغربية

الفضاء السيبراني في قلب الصراع الجيوسياسي.. تحليل يفكك مزاعم استهداف المؤسسات الأمنية المغربية

REGION CASA SETTAT

السفير 24

لم يعد الفضاء السيبراني مجرد مجال للتواصل وتبادل المعلومات، بل تحول إلى إحدى أبرز ساحات الصراع الجيوسياسي، في ظل تصاعد الهجمات الإلكترونية وتنامي حملات التضليل الرقمي التي تستهدف المؤسسات والدول، وتسعى إلى التأثير في الرأي العام وزعزعة الثقة في المؤسسات السيادية.

وفي هذا السياق، يطرح الكاتب والمحلل السياسي والاستراتيجي براق شادي عبد السلام، في ورقة تحليلية، قراءة للمزاعم المتداولة بشأن استهداف المؤسسات الأمنية المغربية، ولا سيما ما يتعلق بادعاءات تسريب بيانات تضم أسماء نحو 70 ألف عنصر ومتعاون مع أجهزة الاستخبارات المغربية في أوروبا، معتبرا أن هذه الرواية تثير، من وجهة نظره، مجموعة من التساؤلات المنطقية والعملياتية.

ويستند التحليل في تفكيك هذه المزاعم إلى طبيعة العمل الاستخباراتي الحديث، الذي يقوم أساسا على توزيع المعلومات وتقييد الوصول إليها وفق مبدأ «الحاجة إلى المعرفة»، بما يعني أن المعلومات الحساسة لا تكون متاحة بشكل موحد لجميع الوحدات والأفراد، وهو ما يطرح، بحسب صاحب الورقة، علامات استفهام حول إمكانية وجود قاعدة بيانات مركزية تضم هذا العدد الكبير من الهويات.

وفي السياق ذاته، يشير التحليل إلى أن المعطيات المتداولة لا تبدو، وفق القراءة المقدمة، شبيهة بقاعدة بيانات استخباراتية حديثة، وإنما قد تكون مرتبطة ببيانات شخصية قديمة جرى جمعها من قطاعات خدمية أو مؤسسات خاصة لها علاقة بالتغطية الصحية والاجتماعية، قبل إعادة تقديمها على أنها بيانات مرتبطة بأجهزة أمنية.

ولا يتوقف التحليل عند طبيعة البيانات، بل يستند كذلك إلى ما يصفه بمؤشرات على وجود تناقضات في بعض الوثائق المتداولة، من قبيل اختلاف بعض الرتب والملابس العسكرية عن النظام المعمول به في المغرب، فضلا عن وجود أخطاء لغوية، وهي عناصر يعتبرها صاحب الورقة مؤشرات تستدعي التعامل بحذر مع الرواية المتداولة وعدم التسليم بصحتها دون التحقق منها.

ومن زاوية أخرى، يضع التحليل هذه القضية في إطار أوسع يسميه «الحرب المعرفية الهجينة»، حيث يمكن للوثائق القديمة أو المعدلة أن تتحول، بعد إعادة تدويرها ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، إلى أدوات للتأثير في الرأي العام، خصوصا عندما يتم تضخيم انتشارها رقميا بواسطة حسابات آلية أو شبكات نشر واسعة.

وبحسب القراءة نفسها، فإن خطورة هذا النوع من الحملات لا تكمن فقط في مضمون الوثائق، وإنما في الطريقة التي يتم بها تقديمها وترويجها وربطها بسياقات سياسية وأمنية حساسة، بما يسمح بتحويل معلومة غير مؤكدة إلى مادة ضغط سياسي وإعلامي واسعة التأثير.

وفي هذا الإطار، يتوقف التحليل عند محاولة ربط مزاعم التسريب بملف تدبير تدفقات الهجرة بالقرب من مدينة سبتة، معتبرا أن هذا الربط قد يخدم، وفق تقديره، أهدافا تتجاوز مجرد نشر معلومات مشكوك فيها، من خلال ممارسة ضغط إعلامي وسياسي على الشركاء الأوروبيين للمغرب، وإثارة الشكوك حول أداء المسؤولين الأمنيين والتشكيك في المؤسسات المعنية.

وعلى المستوى التقني، يلفت التحليل إلى مجموعة من الآليات التي تعتمدها الأنظمة الأمنية الحديثة لحماية المعلومات الحساسة، وفي مقدمتها الفصل بين الأنظمة الحيوية والشبكات المفتوحة، وتقسيم المعلومات والولوج إليها بين وحدات مختلفة، وهي آليات يشار إليها في المجال التقني بمفاهيم مثل «Air-Gapping» و«Information Silos».

وتقوم هذه المقاربة، في جوهرها، على عدم وضع جميع المعلومات الحساسة في نظام واحد مفتوح أمام نطاق واسع من المستخدمين، بل توزيعها وفصلها بحسب طبيعة المهام والصلاحيات، بما يقلص، من الناحية النظرية، مخاطر حدوث تسريب واسع النطاق من قاعدة بيانات مركزية واحدة.

ويستند التحليل كذلك إلى مبدأ «الحاجة إلى المعرفة» المتداول في أدبيات العمل الاستخباراتي، والذي يقوم على منح الوصول إلى المعلومات الحساسة وفقا للمهام والمسؤوليات، مع اعتماد الفصل الوظيفي بين الوحدات، الأمر الذي يجعل بناء قاعدة رقمية مركزية تحتوي على جميع هويات العاملين والمتعاونين مع مختلف الأجهزة أمرا يثير تساؤلات تقنية وأمنية، بحسب صاحب الورقة.

وفي الجانب المالي، يطرح التحليل بدوره تساؤلات بشأن الرقم المتداول، معتبرا أن إدارة شبكة بهذا الحجم خارج البلاد ستتطلب موارد بشرية ومالية كبيرة، وأن مثل هذه العمليات، إذا كانت موجودة بهذا الحجم، يفترض أن تترك آثارا تنظيمية ومالية يصعب تجاهلها. ويستند الكاتب في ذلك إلى مقارنات مع نماذج دولية، ليخلص إلى أن حجم الرقم المتداول لا ينسجم، في تقديره، مع طبيعة وإمكانات إدارة مثل هذه الشبكة.

وفي المقابل، يشدد التحليل على أهمية التعاون الأمني والاستخباراتي بين المغرب وشركائه الأوروبيين، خصوصا في مواجهة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود، معتبرا أن تبادل المعلومات والاستباق الأمني يشكلان جزءا أساسيا من منظومة حماية الأمن الإقليمي والأوروبي.

ويرى صاحب الورقة أن التعاون المغربي مع شركائه الأوروبيين أتاح، وفق ما يورده في تحليله، المساهمة في تفادي عدد من المخاطر والتهديدات التي كان من الممكن أن تستهدف مواطنين أو منشآت في عدد من الدول الأوروبية، وهو ما يجعل استهداف المؤسسات الأمنية المغربية إعلاميا ورقميا، في نظره، جزءا من معركة أوسع حول الثقة والمعلومة.

وفي المحصلة، يخلص التحليل إلى أن الحملات الرقمية التي تستهدف المؤسسات السيادية المغربية ينبغي قراءتها ضمن التحولات الجديدة التي يشهدها الصراع الجيوسياسي، حيث لم تعد المواجهة مقتصرة على المجالات العسكرية والسياسية التقليدية، وإنما انتقلت أيضا إلى فضاء المعلومات والروايات الرقمية والتأثير في الرأي العام.

وبحسب هذه القراءة، فإن مواجهة هذا النوع من الحملات لا تقتصر على الإجراءات التقنية، بل تتطلب كذلك يقظة إعلامية ومؤسساتية، والتحقق من مصادر المعلومات قبل تداولها، والتمييز بين الوثائق الحقيقية والمفبركة أو المعاد تدويرها، حتى لا تتحول المنصات الرقمية إلى أداة لنشر روايات غير موثوقة.

وفي النهاية، يؤكد صاحب التحليل أن حماية المعطيات الحساسة وتعزيز الثقة في المؤسسات يظلان جزءا أساسيا من الأمن الوطني في العصر الرقمي، وأن تماسك المؤسسات والمجتمع والقدرة على التحقق من المعلومات قبل تصديقها أو إعادة نشرها يمثلان، بحسب تقديره، خط دفاع مهما أمام حملات التضليل والحرب المعرفية التي أصبحت إحدى أدوات الصراع في عالم شديد الترابط.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى