
السفير 24
لم تعد التساؤلات التي تطرح داخل كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية التابعة لجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء مجرد نقاش عابر حول طريقة تدبير مؤسسة جامعية، بل بدأت تتحول إلى ملف متشعب يلامس جوانب إدارية ومالية وتدبيرية تستوجب، إن صحت المعطيات المتداولة، توضيحات دقيقة من الجهات المسؤولة، خصوصا أن الأمر يتعلق بمؤسسة عمومية وبأموال وتجهيزات يفترض أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والرقابة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وحسب مصادر “السفير 24” من داخل كلية الحقوق بالمحمدية، فإن عددا من الملفات المرتبطة بالتدبير المالي والإداري يثير علامات استفهام جدية، في مقدمتها الطريقة التي يتم بها تدبير ميزانية المؤسسة، ومسار انعقاد لجنة الميزانية، وآليات تمرير الاعتمادات، فضلا عن ملفات الصفقات والتجهيزات والمتلاشيات. وتقول المصادر إن لجنة الميزانية لم تنعقد، بحسب معطياتها، طيلة نحو ست سنوات بالشكل الذي كان منتظرا، قبل أن تعقد بشكل مفاجئ في أواخر شهر يوليوز، وهو توقيت يطرح أكثر من علامة استفهام حول خلفياته ودوافعه.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط: لماذا انعقدت اللجنة؟ وإنما أيضا: لماذا في هذا التوقيت تحديدا؟ وهل يتعلق الأمر بإجراء تدبيري عادي فرضته أجندة السنة المالية، أم أن هناك ملفات استعجالية كان يتعين الحسم فيها قبل نهاية السنة الجامعية؟
وإذا كانت لجنة الميزانية تشكل إحدى آليات الحكامة والتدبير داخل المؤسسة، فإن انتظام اجتماعاتها وتوثيق مداولاتها وقراراتها يفترض أن يكون واضحا وقابلا للاطلاع والتدقيق، لا أن يتحول انعقادها إلى مناسبة استثنائية تفتح الباب أمام التأويلات.
والأكثر إثارة للتساؤل، وفق المصادر ذاتها، هو ما يرتبط بالعلاقة بين رئاسة الجامعة وعمادة الكلية في موضوع الميزانية. فهل صحيح أن تمرير بعض الاعتمادات المالية لا يتم لفائدة عميد الكلية إلا بعد تقديم مبررات أو اجتياز مساطر إضافية؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما السند القانوني والتنظيمي لهذا الإجراء؟ وهل يتعلق الأمر برقابة مالية مشروعة، أم أن المسألة تعكس أزمة ثقة بين رئاسة الجامعة وعمادة المؤسسة؟
هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحا عندما يتعلق الأمر بمؤسسة يفترض أن تتمتع بهياكلها التقريرية والإدارية بالاختصاصات التي يحددها القانون. وبالتالي، فإن أي إجراء استثنائي في تدبير الاعتمادات المالية يحتاج إلى تفسير واضح ومكتوب، حتى لا تتحول الممارسة الإدارية إلى منطقة رمادية تتداخل فيها الاختصاصات وتضيع معها المسؤوليات.
ومن هنا يبرز سؤال آخر: هل يتعلق الأمر فعلا بإجراءات احترازية لحماية المال العام، أم أن هناك أسبابا أخرى لا يتم الإعلان عنها؟ وإذا كانت الرقابة المالية هي الدافع، فلماذا لا يتم تفعيلها عبر آليات مؤسساتية واضحة ومنتظمة، بدل أن تبقى الأمور، وفق ما تتحدث عنه المصادر، رهينة للتقدير والظروف؟
ومن الملفات التي تستحق فتح تحقيق دقيق، وفق المصادر التي تحدثت إلى “السفير 24″، ملف الشاشات والأجهزة الإلكترونية والتجهيزات التي أصبحت متلاشية أو غير صالحة للاستعمال.
فكيف يتم جرد هذه المعدات؟ ومن يقرر اعتبارها متلاشيات؟ وهل توجد محاضر رسمية تثبت وضعيتها؟ وما هي اللجنة التي تشرف على عملية الجرد والتقييم؟ وكيف تتم عملية البيع أو التفويت؟ ومن هم المستفيدون من هذه العمليات، إن وجدت؟
هذه ليست أسئلة هامشية، لأن المتلاشيات تظل جزءا من ممتلكات مؤسسة عمومية، والتصرف فيها يفترض احترام مساطر دقيقة تضمن حماية المال العام وتمنع أي احتمال للتلاعب أو التفويت غير القانوني.
ولا تقل الصفقات أهمية عن ملف المتلاشيات. فالسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف تمر الصفقات داخل المؤسسة؟ ومن يشارك في إعدادها وتتبعها والمصادقة عليها؟ وهل يتم احترام قواعد المنافسة والشفافية وتكافؤ الفرص؟ وهل جميع الوثائق المتعلقة بها متوفرة وقابلة للتدقيق؟
وإذا كانت كل العمليات تتم وفق القانون، فإن نشر أو إتاحة الوثائق والمعطيات المتعلقة بها من شأنه أن يضع حدا لكل الشائعات، ويؤكد أن المؤسسة لا تخشى الرقابة ولا التدقيق.
أما إذا كانت هناك اختلالات، فإن المسؤولية تقتضي تحديدها وترتيب الآثار القانونية والإدارية المترتبة عنها، بدل تركها تتراكم في صمت.
ومن المفارقات التي تستحق التوضيح كذلك، وفق المعطيات المتداولة، ما يتعلق بعدد الطلبة. فكيف يمكن لموقع رسمي أن يقدم رقما يتجاوز 33 ألف طالب، في الوقت الذي تتحدث فيه مصادر من داخل المؤسسة عن أعداد فعلية أقل بكثير؟
والسؤال هنا ليس التشكيك في الرقم المنشور، وإنما المطالبة بتفسير منهجي لطريقة احتسابه: هل الرقم يشمل جميع الطلبة المسجلين في مختلف الأسلاك؟ وهل يشمل طلبة التكوينات المختلفة؟ أم أن هناك فرقا بين عدد المسجلين إداريا وعدد الطلبة الذين يتابعون الدراسة فعليا؟
فالأرقام ليست مجرد إحصائيات للاستهلاك الإعلامي، وإنما لها علاقة مباشرة بالتخطيط والميزانية والموارد البشرية والتجهيزات والخدمات الجامعية.
وأمام تعدد هذه الأسئلة، يبدو أن الحل لم يعد في تبادل الاتهامات أو الاكتفاء بالردود الشفوية، وإنما في إخضاع الملفات المثارة لافتحاص مؤسساتي واضح، يشمل الميزانية والصفقات والمتلاشيات والتجهيزات ومساطر اتخاذ القرار، مع نشر خلاصاته للرأي العام الجامعي وفق ما يسمح به القانون.
فالجامعة العمومية ليست ملكا لشخص أو لفريق، والكلية ليست مجالا مغلقا بعيدا عن الرقابة. بل إنها مؤسسة عمومية، ومواردها ملك للمجتمع، والمسؤولية فيها لا تنفصل عن المحاسبة.
كما أن رئاسة الجامعة، باعتبارها الجهة المشرفة، مطالبة بتوضيح حقيقة ما يثار حول العلاقة التدبيرية مع العمادة، وتحديد ما إذا كانت الإجراءات المتعلقة بالميزانية تدخل في إطار الرقابة القانونية العادية أم أن وراءها اعتبارات أخرى.
إن ما سبق لا يمثل أحكاما نهائية، وإنما جملة من المعطيات والتساؤلات التي نقلتها مصادر “السفير 24″، والتي تحتاج إلى وثائق وأجوبة رسمية من عمادة الكلية ورئاسة الجامعة والجهات الرقابية المختصة.
لكن حجم الأسئلة وتعددها يجعل من الصعب التعامل معها بمنطق التجاهل، خصوصا أن أي مؤسسة عمومية مطالبة بأن تكون ميزانيتها وصفقاتها وممتلكاتها خاضعة للوضوح والشفافية، وأن تكون كل مسؤولية مرتبطة بالمحاسبة.
وإذا كانت الجهات المعنية ترى أن كل ما يجري داخل كلية الحقوق بالمحمدية يتم وفق القانون، فإن الرد بالوثائق والمعطيات الرسمية سيكون كفيلا بحسم الجدل.
وفي هذا السياق، تعلن “السفير 24” أنها ستفتح ملفات أخرى كثيرة يشوبها الغموض داخل كلية الحقوق بالمحمدية، وستعود إلى عدد من القضايا والصفقات والمساطر والتدبيرات التي تثير تساؤلات في أوساط الأساتذة والموظفين والطلبة، مع الحرص على عرض المعطيات والوثائق والاستماع إلى جميع الأطراف، لأن الهدف ليس تصفية الحسابات مع أي مسؤول، وإنما البحث عن الحقيقة، وحماية المال العام، وصون حرمة المؤسسة الجامعية.
يتبع..



