
السفير 24
في بنسليمان، يبدو أن المشهد الانتخابي بدأ يستعيد ملامحه القديمة قبل أن تدق ساعة الحملة الرسمية، فبعض الوجوه التي اعتادت الظهور في كل موسم انتخابي بدأت تستعيد حضورها، فيما تحركت، وفق ما يتداوله عدد من أبناء المدينة، شبكات انتخابية تعرف محليا بـ”الدينامو” أو “سماسرة الانتخابات”، في وقت يتساءل فيه المواطنون عن حصيلة سنوات طويلة من التمثيل داخل قبة البرلمان.
وفي اتصال لـ”السفير 24″ بعدد من ساكنة بنسليمان، عبر مواطنون عن امتعاضهم من عودة الوجوه نفسها إلى الواجهة، معتبرين أن الساكنة أصبحت تحفظ الأسماء والوعود، لكنها في المقابل تنتظر جوابا واضحا عن سؤال يبدو بسيطا في صياغته وثقيلا في مضمونه: ماذا تحقق لبنسليمان بعد سنوات من التمثيل البرلماني؟
فالمواطن الذي يصادف الوجوه نفسها في كل استحقاق انتخابي لم يعد يريد سماع عبارات من قبيل “سنعمل” و”سندافع” و”سنرافع”، وإنما يريد أن يرى الحصيلة على الأرض: مشاريع، استثمارات، فرص شغل، خدمات صحية، بنية تحتية، نقل، فضاءات للشباب، وحلولا فعلية للمشاكل التي أنهكت المدينة وساكنتها.
وإذا كان بعض المنتخبين قد أمضوا سنوات داخل قبة البرلمان، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وبكل صراحة، هو: ماذا تغير في بنسليمان خلال فترة انتدابهم؟ وهل كانت المدة كافية لإنجاز شيء ملموس؟ أم أن المواطن مطالب في كل مرة بمنح فرصة جديدة للوجوه نفسها، دون أن يقدم له أحد كشف حساب واضحا عن السنوات الماضية؟
إن البرلمان ليس منصة للصور والمناسبات، والانتداب الانتخابي ليس شيكا على بياض. ومن حق المواطن أن يسأل، بل من واجبه أن يسأل: ماذا فعلتم؟ ماذا اقترحتم؟ ماذا رافعتم عنه؟ وما الذي تحقق بفضل تدخلاتكم؟
وفي الوقت الذي تستعد فيه بعض الأسماء، حسب ما يتداوله الشارع البنسليماني، لإعادة ترتيب أوراقها الانتخابية، تظهر إلى الواجهة أسماء أخرى لا يعرفها المواطن بالضرورة من خلال البرامج والمشاريع، وإنما من خلال “الدينامو” الذي يتحرك في الأحياء والمقاهي والدوائر الاجتماعية بحثا عن الأصوات… وهنا تكمن الخطورة…
فـ”الدينامو” ليس مجرد شخص يتواصل مع الناخبين، بل يتحول، عندما يرتبط بالمال أو بالمنافع أو بالوعود المشروطة، إلى حلقة في منظومة انتخابية تضعف قيمة الاختيار الحر، وتجعل المواطن أمام معادلة خطيرة: من يملك المال والشبكات يملك فرصة أكبر للوصول إلى الصندوق.
والأخطر أن تتحول الانتخابات من منافسة بين البرامج إلى منافسة بين الجيوب، ومن صراع حول مستقبل المدينة إلى سباق حول عدد الأصوات التي يستطيع هذا “السمسار” أو ذاك جمعها.
وإذا كانت الأحاديث المتداولة عن مبالغ مالية ضخمة يتم رصدها للاستحقاقات المقبلة تحتاج إلى التحقق، فإن انتشارها بهذا الشكل وسط المواطنين يستدعي الانتباه، لأن مجرد تداول أرقام بملايين الدراهم في سياق انتخابي يفرض على الجميع طرح الأسئلة، وعلى الجهات المختصة القيام بدورها الرقابي في إطار القانون.
فبنسليمان ليست في حاجة إلى انتخابات تدار من المقاهي، ولا إلى سماسرة يتنقلون بين الأحياء لجمع الأصوات، ولا إلى وعود موسمية تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها.
بنسليمان تحتاج إلى جواب عن البطالة التي تضرب فئة واسعة من الشباب، وإلى جواب عن غياب فرص اقتصادية حقيقية، وإلى معالجة جادة لوضعية القطاع غير المهيكل، وإلى حلول لظاهرة “الفراشة”، وإلى تنظيم حقيقي للملك العمومي، وإلى أرصفة يستعملها الراجلون بدل أن تتحول إلى امتدادات للمقاهي والمحلات.
كما تحتاج المدينة إلى خدمات صحية في مستوى تطلعات ساكنتها، وإلى بنيات رياضية وثقافية وشبابية، وإلى نقل وتنظيم حضري يليق بمدينة تتوسع عمرانيا، وإلى رؤية تنموية لا تختزل مستقبلها في الإسمنت والعقار.
ومن جهة أخرى، فإن التوسع العمراني الذي تعرفه بنسليمان يطرح بدوره أسئلة حارقة: هل تواكب المشاريع العقارية بنية تحتية وخدمات عمومية كافية؟ وهل هناك تصور متكامل لمستقبل المدينة؟ أم أن المواطن سيجد نفسه بعد سنوات أمام أحياء جديدة ومشاكل قديمة؟ وهنا لا يمكن أن يغيب دور السلطة الإقليمية.
فالمواطن السليماني يضع هذا الملف أمام عامل الإقليم، باعتباره مسؤولا ترابيا معنيا بالسهر على احترام القانون وتتبع مختلف القضايا التي تهم الشأن العام المحلي، وتدعوه إلى القيام بدوره الرقابي، كل في حدود اختصاصاته، والتعامل بجدية مع ما يثار من معطيات حول أي تحركات انتخابية سابقة لأوانها أو أي ممارسات قد تمس بنزاهة وتكافؤ الفرص.
كما أن الأمر يستدعي، بالقدر نفسه، الحرص على تنفيذ وتفعيل التعليمات الصادرة عن وزارة الداخلية المتعلقة بالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية واحترام الضوابط القانونية، بما يضمن عدم تحول المجال الترابي إلى ساحة مفتوحة للاستقطاب غير المشروع أو استعمال النفوذ أو المال للتأثير على إرادة الناخبين.
فالسلطة لا يفترض أن تنتظر إلى غاية يوم الاقتراع حتى تبدأ المراقبة، وإنما يفترض أن تكون اليقظة حاضرة منذ ظهور المؤشرات الأولى لأي ممارسة يمكن أن تؤثر في سلامة العملية الانتخابية.
وفي المقابل، فإن المسؤولية تقع أيضا على المواطنين، لأن زمن التصويت على الأشخاص لمجرد أنهم أصبحوا وجوها مألوفة ينبغي أن ينتهي.. فالوجه المألوف لا يعني بالضرورة الحصيلة الجيدة، وكثرة الظهور لا تعني كثرة الإنجاز، وطول البقاء في المشهد السياسي لا يمنح صاحبه صكا أبديا لطلب أصوات الناخبين.
اليوم، المواطن البنسليماني أمام فرصة حقيقية ليطرح السؤال الذي طالما تم تجنبه: ماذا قدمتم لبنسليمان؟
ليس المطلوب خطابات طويلة، ولا صورا انتخابية، ولا وعودا جديدة، وإنما حصيلة قابلة للقياس.. وكم منصب شغل تم خلقه؟ وما هي المشاريع التي تم جلبها؟ وما هي الملفات التي تمت معالجتها؟ وا الذي تغير في الصحة والتعليم والنقل والبنية التحتية؟ وما الذي تحقق فعلا خلال سنوات التمثيل البرلماني؟
هذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن يخوضها المرشحون.
أما معركة “الدينامو” وسماسرة الانتخابات، ومعركة من يملك شبكة أكبر ومن يستطيع تحريك عدد أكبر من الأشخاص، فهي معركة لا تخدم المدينة ولا الديمقراطية، وإنما تخدم من يريد تحويل الانتخابات إلى سوق للأصوات.
وإذا كان بعض المرشحين قد بدأوا فعلا في التحرك مبكرا، فإن عليهم أن يعلموا أن بنسليمان لم تعد كما كانت، وأن المواطن أصبح أكثر قدرة على المقارنة والمساءلة، وأن كل وعد سيقارن بالحصيلة، وكل شعار سيوضع أمام الواقع، وكل تحرك انتخابي ستتم متابعته.
ومن جهتها، لن تكتفي “السفير 24” بنقل أجواء الانتخابات، بل ستفتح ملفات المرشحين، وستتابع مساراتهم وحصائلهم وتصريحاتهم وتحركاتهم، وستمنح الكلمة لكل من يريد تقديم معطيات أو توضيحات، لأن التغطية الصحفية الحقيقية لا تعني التصفيق لهذا الطرف أو ذاك، وإنما تعني وضع الجميع تحت مجهر المساءلة.
كما ستقوم “السفير 24” بتغطية الحملات الانتخابية بمدينة بنسليمان وباقي المدن المغربية، وستعمل على رصد كل شاردة وواردة، خصوصا كل ما يتعلق بأي محاولة لاستمالة الناخبين بالمال أو بالمنافع أو بأي وسيلة غير مشروعة، مع التحقق من المعطيات واحترام حق المعنيين في الرد والتوضيح.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي سيلاحق كل وجه انتخابي مألوف في بنسليمان: بعد سنوات داخل قبة البرلمان، ماذا لديكم اليوم لتقدموا للساكنة غير طلب فرصة جديدة؟
فبنسليمان لا تحتاج إلى وجوه تعرفها جيدا، بقدر ما تحتاج إلى وجوه تعرف ماذا تفعل.
يتبع..



