
السفير 24
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، يعود اسم حسن البركاني إلى واجهة المشهد السياسي بدائرة أنفا، حاملا معه تجربة طويلة داخل المؤسسات المنتخبة، ورئاسة غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء-سطات، إلى جانب تجربة برلمانية سابقة.
غير أن العودة إلى الواجهة السياسية لا تعني بالضرورة أن الحصيلة مكتملة أو أن الطريق إلى أصوات الناخبين أصبح مضمونا؛ فالمعركة الانتخابية في أنفا، بما تحمله من خصوصية وحساسية، تفرض على كل مرشح أن يجيب بوضوح عن سؤال بسيط في صياغته، لكنه ثقيل في ميزان السياسة: ماذا قدم؟ وماذا تغير بسبب حضوره؟ وماذا سيقدم مستقبلا ولم يستطع فعله خلال السنوات الماضية؟
والحال أن البركاني يقدم نفسه باعتباره رجل تجربة ومؤسسات، وهو ما يجعل تقييمه لا ينبغي أن يقتصر على الوعود الانتخابية، بل يفترض أن ينطلق من حصيلة السنوات التي قضاها داخل المؤسسات، وما إذا كانت تلك التجربة قد أنتجت نتائج ملموسة بالنسبة للمهنيين والساكنة.
ولا يمكن إنكار أن غرفة التجارة والصناعة والخدمات عرفت خلال فترة رئاسة البركاني مجموعة من الأنشطة والبرامج؛ فقد تحدث رئيس الغرفة عن تنظيم أكثر من 50 دورة تكوينية، وأكثر من 100 لقاء تواصلي، وحوالي 40 لقاء مع وفود أجنبية، فضلا عن اتفاقيات مع مؤسسات بنكية وشركاء اقتصاديين، ومشاريع مرتبطة بالتكوين وحاضنة المقاولات الناشئة ومركز الأعمال بالمحمدية.
غير أن الإشكال يبدأ تحديدا عند الانتقال من لغة الأرقام والأنشطة إلى لغة النتائج. فكم من مقاولة ناشئة استطاعت فعلا أن تنطلق بفضل هذه البرامج؟ وكم من تاجر صغير تحسنت وضعيته الاقتصادية؟ وكم من مشروع جرى احتضانه وتحول إلى نشاط منتج ومستدام؟ وما هي فرص الشغل التي تم خلقها؟ وما هو الأثر الاقتصادي الحقيقي للاتفاقيات الموقعة؟
هذه ليست أسئلة للتشويش على تجربة الرجل، وإنما هي صميم التقييم المؤسساتي، لأن عقد عشرات اللقاءات وتنظيم دورات تكوينية وتوقيع اتفاقيات لا يكفي وحده لإثبات النجاح؛ فالإنجاز الحقيقي هو ما يمكن قياسه، وما يستطيع المواطن والمهني أن يلمسه في حياته اليومية.
أما على المستوى البرلماني، فإن اسم البركاني حاضر ضمن سجلات مجلس النواب، وقد تقدم بعدد من الأسئلة الكتابية المرتبطة بملفات اقتصادية ومهنية وغيرها. غير أن الحضور البرلماني في حد ذاته لا يكفي لصناعة حصيلة سياسية مقنعة، لأن البرلمان ليس مجرد منصة لطرح الأسئلة، وإنما مؤسسة للتشريع والمراقبة والدفاع عن القضايا الترابية والاجتماعية والاقتصادية.
ومن ثم، فإن الناخب الأنفاوي سيكون محقا عندما يبحث عن أجوبة دقيقة حول الملفات التي دافع عنها البركاني خلال ولايته، وما الذي تحقق فعليا نتيجة هذا الحضور، وما الذي بقي مجرد أسئلة ومواقف واقتراحات.
وهنا تحديدا تبدو الحاجة إلى حصيلة أكثر تفصيلا، تتجاوز تعداد الأسئلة والمداخلات، لتكشف عن النتائج التي ترتبت عنها، وعن مدى قدرة البرلماني على تحويل الملفات التي يطرحها إلى قضايا تحظى بالمتابعة والضغط المؤسساتي.
لكن السؤال الأكثر حساسية سيظل مرتبطا بدائرة أنفا نفسها: ماذا قدم البركاني للساكنة؟
فالساكنة لا تعيش داخل غرفة التجارة والصناعة والخدمات، ولا تذهب إلى البرلمان كل صباح؛ إنها تعيش في أحياء تواجه مشاكل يومية تتعلق بالنقل، والازدحام، والتهيئة، والتجارة، والملك العمومي، والبيئة، وغلاء المعيشة، وفرص الشغل، وجودة الخدمات.
ومن هنا، فإن السؤال الذي سيجد البركاني نفسه أمامه خلال الحملة الانتخابية هو: ما هي الملفات التي حملها من أنفا إلى البرلمان؟ وما هي الملفات التي عاد بها من البرلمان إلى أنفا؟ وإذا كانت الإجابة ستتمحور حول البرامج العامة والاستثمارات الكبرى، فإن الناخب قد يطرح سؤالا أكثر مباشرة: أين هو الأثر الملموس على مستوى الدائرة نفسها؟
ومن دون شك، تمنح رئاسة غرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة الدار البيضاء-سطات البركاني تجربة مهمة في المجال الاقتصادي، وتوفر له معرفة واسعة بملفات التجارة والصناعة والخدمات والمقاولة والاستثمار. غير أن هذه المكانة نفسها ترفع سقف المساءلة، لأن من يترأس مؤسسة مهنية بهذا الحجم يفترض أن يقدم للرأي العام حصيلة قابلة للقياس، لا مجرد سرد للأنشطة.
كما أن تبرير بعض أوجه القصور بمحدودية الاختصاصات القانونية للغرف المهنية لا يمكن أن يكون جوابا كاملا، لأن السؤال الحقيقي هو ماذا استطاع الرئيس أن يحقق داخل الهامش الذي يسمح به القانون، وما هي الملفات التي نجح في تحريكها، وما هي الملفات التي تعثرت، ولماذا؟
والبركاني سبق أن تحدث عن مشاريع مهمة، من بينها استرجاع عقار كان موضوع نزاع وتخصيصه لمشروع للتكوين وحاضنة للمقاولات الناشئة، إضافة إلى مشروع مركز الأعمال بالمحمدية. غير أن الرأي العام يحتاج إلى معرفة المرحلة التي وصلت إليها هذه المشاريع، وكلفتها، ومصادر تمويلها، وآجال إنجازها، وعدد المستفيدين المتوقعين منها.
فالمواطن لم يعد يكتفي بسماع عبارة “مشروع مبرمج”، وإنما يريد أن يعرف: متى سينجز؟ ومن سيستفيد منه؟ وكم كلف؟ وما هي النتائج التي حققها؟
ومن هنا، فإن تجربة البركاني تستحق أن تقرأ من زاويتين متلازمتين: الأولى تعترف بما تحقق من مبادرات وتحركات ومشاريع، والثانية تضع تلك الحصيلة تحت مجهر النتائج والأثر الفعلي.
وبقدر ما يمتلك البركاني من نقاط قوة، فإن تجربته ليست بمنأى عن الملاحظات. ومن أبرز ما يمكن تسجيله مهنيا أن الحصيلة المعلنة تحتاج إلى مؤشرات أكثر دقة تسمح بقياس الأثر الحقيقي للبرامج والاتفاقيات، كما أن كثرة اللقاءات والأنشطة لا تعني بالضرورة نجاحا اقتصاديا ما لم تترجم إلى مشاريع مستدامة وفرص شغل ومقاولات ناجحة.
كما أن الانتقال من رئاسة الغرفة إلى طلب ثقة ناخبي أنفا يفرض عليه تقديم إجابة أكثر إقناعا حول ما تحقق داخل الدائرة نفسها، لا الاكتفاء بعرض حصيلة مؤسسة جهوية.
ثم إن تجربة البركاني السياسية والمؤسساتية الطويلة تجعل الناخب أمام سؤال مشروع: هل يستطيع أن يقدم نفسا جديدا للعمل البرلماني والسياسي، أم أن الأمر يتعلق بإعادة إنتاج تجربة سابقة؟
وإذا كان البركاني يريد استثمار تجربته الاقتصادية والمؤسساتية في المعركة الانتخابية المقبلة، فإن الطريق الأقصر إلى ذلك يمر عبر تقديم حصيلة موثقة، والاعتراف بما لم يتحقق، والكشف بوضوح عن ما يريد إنجازه خلال الولاية المقبلة.
أما أنفا، فهي لا تحتاج إلى وعود عامة بقدر ما تحتاج إلى برنامج واضح، يتضمن ملفات محددة وآجالا محددة وآليات للمحاسبة. فالحديث عن التنمية والاستثمار ودعم المقاولة أصبح خطابا متداولا لدى معظم المرشحين، بينما التحدي الحقيقي هو تحديد ما يستطيع المرشح فعله فعليا من داخل البرلمان، وما يمكنه أن يدافع عنه بقوة، وما النتائج التي يلتزم بتحقيقها.
وفي نهاية المطاف، فإن الانتخابات المقبلة ستكون امتحانا جديدا للبركاني أكثر منها مجرد محطة لإعادة الترشح. فالناخبون لن يكونوا مطالبين بتقييم الرجل من خلال موقعه أو اسمه أو انتمائه الحزبي، وإنما من خلال سؤال بسيط لكنه حاسم: ماذا فعل؟ وماذا يستطيع أن يفعل؟
وبذلك، فإن البركاني يدخل الاستحقاق المقبل محملا برصيد من التجربة، لكنه في الوقت نفسه محمل بعبء تلك التجربة نفسها؛ فكلما طالت سنوات المسؤولية، ارتفع سقف المحاسبة.
والسؤال الذي سيبقى مطروحا أمامه وأمام ناخبي أنفا هو: هل ستتحول هذه التجربة إلى مشروع جديد يحمل نتائج ملموسة للساكنة، أم ستظل مجرد رصيد سياسي ومؤسساتي يحتاج إلى حصيلة أكثر إقناعاً؟
وفي الأخير وليس آخرا، لا تكفي الخبرة وحدها، ولا الاسم، ولا التزكية الحزبية. فالناخب يريد أن يعرف ماذا تحقق بالأمس، وما الذي سيُنجز غداً، والأهم من ذلك كله: لماذا يمنح صوته للبركاني مرة أخرى؟



