في الواجهةكتاب السفير

عاشوراء في المغرب: من الجذور الروحية إلى السلوكات الدخيلة

عاشوراء في المغرب: من الجذور الروحية إلى السلوكات الدخيلة

le patrice

السفير 24

مقدمة

يحل يوم عاشوراء في العاشر من شهر محرم الحرام، حاملاً معه دلالات روحية عميقة يشترك فيها العالم الإسلامي؛ إذ يخلد هذا اليوم ذكرى نجاة النبي موسى عليه السلام من بطش فرعون، وهي المناسبة التي سنَّ النبي محمد ﷺ صيامها شكراً لله. ومع مرور القرون، ألبس المغاربة هذا الموعد الديني دثاراً ثقافياً واجتماعياً فريداً. واليوم، تتأرجح هذه المناسبة العريقة في المجتمع المغربي بين الحفاظ على طقوس التضامن والبهجة الأصيلة، وبروز سلوكات حضرية طائشة تهدد سلامة الساكنة وتجرف المناسبة عن مقاصدها الأولى.

الجذور الروحية: التضامن، الزكاة وطقس “الفاكية”

إن الانتقال بعاشوراء من حيز العبادة الصرفة إلى رحاب الاحتفال الاجتماعي تجسد بالأساس عبر قيم الجود والعطاء الكامنة في الثقافة الإسلامية. فقد جرت العادة لدى العائلات المغربية أن تجعل من هذا اليوم موعداً سنوياً لإخراج “زكاة المال” أو ما يعرف بـ “العشور”. هذا الوجه التضامني يساهم في تطهير الأموال وتعزيز التكافل الاجتماعي من خلال دعم الفئات الهشة والمعوزة.

وعلى مستوى الدفء الأسري، تلتف العائلات حول طبق “الفاكية” الشهير، وهو مزيج ملون من الفواكه الجافة (كالوز، وتمر، وتين) والحلويات. هذا الطقس ليس مجرد متعة للتذوق، بل هو رمز للرخاء المشترك والترحيب، وفرصة لا تعوض لصلة الرحم وتبادل المتمنيات بالبركة والخير.

فلكلور الطفولة: الموسيقى وتوارث الأهازيج

إلى جانب أبعادها الروحية، فرضت عاشوراء نفسها كعيد حقيقي للطفولة في الوجدان المغربي. ففي هذا الوقت من السنة، تصدح أزقة المدن العتيقة والأحياء الحديثة على حد سواء بإيقاعات “التعارج” (الطبول الطينية التقليدية) والبندير، مصحوبة بأهازيج شعبية تحتفي بشخصية “بابا عيشور” الفلكلورية.

وتكتمل فرحة الصغار بارتداء الملابس الجديدة وتقديم الألعاب هدايا لهم من طرف الآباء. هذه الأجواء الاحتفالية البريئة لم تكن يوماً لتلغي الجانب الديني، بل جاءت لتضفي لمسة من البهجة الإنسانية التي ترسخ المناسبة في الذاكرة الجماعية للأجيال المتعاقبة.

الظل القاتم: عندما تحول العشوائية الاحتفال إلى خطر

بالمقابل، شهدت العقود الأخيرة تحوراً سلبياً لبعض الممارسات في الفضاء العام، مما يتناقض كلياً مع قيم السلم والتقاسم الأصلية. ويبقى النقطة السوداء الأبرز هي الاستعمال المكثف للمفرقعات والألعاب النارية المهربة؛ إذ تتحول ألعاب الأطفال أحياناً إلى فواجع تتسبب في عاهات مستديمة وحروق بليغة، ناهيك عن ترويع المرضى والمسنين.

كما انحرف طقس “زمزم” عن غايته؛ فبعد أن كان يعبر عن رش الماء خفيفةً كرمز للنماء والتطهير، أصبح يُمارس بعنف في الشوارع عبر رشق المارة والسيارات عسفاً. وفي السياق ذاته، تشكل “الشعالة” (إشعال النيران ليلاً) خطراً بيئياً وأمنياً حقيقياً، حيث يتسبب حرق العجلات المطاطية في انبعاث غازات سامة، وتخريب الإسفلت والممتلكات العامة.

خاتمة

إن العودة إلى أصل عاشوراء تجعلنا ندرك حجم الهوة بين مقاصدها النبيلة وبعض الممارسات الحالية. لا يمكن لعاشوراء أن تكون مناسبة للأذى وهي التي بدأت كشكر لله على النجاة. إن صون هذا التراث اللامادي يمر حتماً عبر تهذيبه من الشوائب؛ وهو أمر يتطلب يقظة أسرية وتوعية مدنية مستمرة، مصحوبة بتطبيق صارم للقانون ضد ترويج المواد الخطيرة، لتعود عاشوراء كما كانت دائماً: محطة للثقافة، والأمن، والفرح الإنساني الراقي.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى