مجتمعفي الواجهة

برشيد.. متاهة الرخص تخنق الاستثمار والمواطنون يطالبون بإنهاء “تعدد القوانين” داخل الإدارة الواحدة

برشيد.. متاهة الرخص تخنق الاستثمار والمواطنون يطالبون بإنهاء "تعدد القوانين" داخل الإدارة الواحدة

le patrice

السفير 24

تحولت مسطرة الحصول على الرخص بمدينة برشيد، خلال السنوات الأخيرة، إلى واحدة من أبرز الإشكالات التي تؤرق المستثمرين والمواطنين على حد سواء، بعدما أصبحت رحلة البحث عن ترخيص لفتح محل تجاري أو إطلاق مشروع اقتصادي أشبه بعبور متاهة إدارية معقدة تتداخل فيها الاختصاصات وتتعدد فيها الشروط وتتضارب أحيانا التأويلات بين مختلف المتدخلين.

فبين مصالح الرخص بالجماعة الترابية لبرشيد، ومصالح عمالة الإقليم، ومكتب حفظ الصحة، والوقاية المدنية، يجد المستثمر نفسه أمام مسار طويل ومتشعب، حيث يبدو أن لكل إدارة “قانونها الخاص” وقراءتها الخاصة للملفات، الأمر الذي يطيل آجال البت في الطلبات ويضاعف من حجم المعاناة التي يعيشها أصحاب المشاريع.

وفي اتصالات متطابقة مع “السفير 24″، عبر عدد من المواطنين والمستثمرين عن استيائهم الشديد من التأخيرات التي تعرفها ملفات الرخص، مؤكدين أن بعض الطلبات ظلت عالقة لأشهر طويلة تجاوزت في بعض الحالات عشرة أشهر كاملة دون حسم نهائي، رغم استكمال أصحابها للوثائق المطلوبة وإنجازهم للاستثمارات المرتبطة بمشاريعهم.

كما أكد عدد من المتضررين أن أغلبهم استثمروا مدخراتهم أو لجؤوا إلى الاقتراض من أجل تجهيز محلاتهم التجارية وفق المعايير المطلوبة، غير أنهم وجدوا أنفسهم أمام أبواب موصدة وانتظار مفتوح دون آجال واضحة أو تواصل فعال يفسر أسباب التأخير أو يحدد النواقص الحقيقية في الملفات.

وفي هذا السياق، تبرز مسؤولية جماعة برشيد باعتبارها الفاعل الرئيسي في تدبير ملفات الرخص الاقتصادية والتجارية، حيث يطالب العديد من المستثمرين رئيسة المجلس الجماعي بالتدخل العاجل لإعادة النظر في طريقة تدبير هذا الملف الحساس، والعمل على تبسيط المساطر وتسريع دراسة الملفات بما ينسجم مع التوجيهات الملكية الداعية إلى تشجيع الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال.

كما وجه المشتكون انتقاداتهم إلى بعض الإجراءات المرتبطة بمصالح عمالة برشيد، معتبرين أن كثرة الوثائق المطلوبة وتعدد الملاحظات التقنية والإدارية يساهمان في إطالة عمر الملفات أكثر مما يساهمان في تسريعها، وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى انسجام هذه الإجراءات مع فلسفة تبسيط المساطر الإدارية التي جعلتها الدولة أحد أهم رهاناتها الإصلاحية.

ولا يختلف الوضع كثيرا بالنسبة لمصالح حفظ الصحة، التي تضطلع بدور أساسي في مراقبة الشروط الصحية للمحلات والأنشطة التجارية. فرغم أهمية هذا الدور في حماية صحة المستهلك وضمان جودة الخدمات، فإن عددا من المهنيين يرون أن طول آجال المعاينات وتكرار الملاحظات التقنية يؤدي في كثير من الأحيان إلى تعطيل مشاريع جاهزة للانطلاق، في وقت يفترض فيه أن تكون الإدارة شريكا في التنمية لا عائقا أمامها.

أما الوقاية المدنية، ورغم أهمية المهام المنوطة بها في مجال السلامة والوقاية من المخاطر، فإن عددا من المستثمرين يعتبرون أن بعض المساطر المرتبطة بالحصول على الموافقات الوقائية تستغرق وقتا أطول من اللازم، خصوصا بالنسبة للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، مما يفرض التفكير في آليات أكثر مرونة دون الإخلال بشروط الأمن والسلامة.

غير أن ما يثير استغراب المستثمرين ببرشيد هو أن الملف الواحد قد يجوب لعدة أشهر مكاتب الجماعة والعمالة وحفظ الصحة والوقاية المدنية دون أن يحصل صاحبه على جواب نهائي واضح، في مشهد يصفه كثيرون بـ”حلقة مفرغة” تستنزف الوقت والمال والأعصاب. فبدل أن تكون الرخص آلية لتشجيع الاستثمار وخلق فرص الشغل، تحولت في نظر عدد من المتضررين إلى عقبة حقيقية تدفع بعض أصحاب المشاريع إلى التراجع عن استثماراتهم أو تجميدها إلى أجل غير معلوم.

هذا الرهان اليوم لا يكمن فقط في احترام القوانين والمساطر، بل في توحيد الرؤية بين مختلف المتدخلين، واعتماد مقاربة مندمجة تجعل من المستثمر شريكا في التنمية لا ضحية لتعقيدات إدارية متراكمة. فبرشيد، التي تطمح إلى استقطاب المزيد من الاستثمارات وخلق فرص الشغل، تحتاج إلى إصلاح حقيقي في تدبير ملفات الرخص، يقوم على الشفافية والسرعة وتحديد المسؤوليات وربطها بالمحاسبة.

ويتساءل عدد من الفاعلين الاقتصاديين عن الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا التعثر المستمر، وهل يتعلق الأمر بخلل في التنسيق بين المتدخلين أم بغياب إرادة حقيقية لتسريع البت في الملفات؟ فالمستثمر، بحسب تعبيرهم، لا يهمه أي إدارة أخرت ملفه، بل يهمه الحصول على رخصته داخل آجال معقولة وواضحة تحفظ حقوقه وتشجع على الاستثمار بدل تنفيره.

ويبقى السؤال الذي يطرحه المواطنون والمستثمرون بإلحاح: إلى متى ستظل ملفات الرخص رهينة التنقل بين المكاتب والإدارات؟ ومتى تتحول الشعارات المرتبطة بتبسيط المساطر وتحسين مناخ الأعمال إلى واقع ملموس يشعر به المستثمر البسيط قبل المستثمر الكبير؟

يتبع.. 

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى