
السفير 24 – ذ. عبد الفتاح العقيلي
نشرت مجلة «جون أفريك» في الثاني من ماي 2026 مقالا للصحفية فدوى إسلاح بعنوان «المغرب والرهان الصعب على الأفريقية»، ومفادُه أن المملكة، بعد قرابة عشر سنوات من عودتها إلى الاتحاد الإفريقي، باتت أكثر حضورا من أيّ وقت مضى دبلوماسيا واقتصاديا في القارة، دون أن تكون متيقّنةً من قبولها فيها قبولا تامّا. واتّخذت الكاتبة من نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال، الذي أُقيم في الثامن عشر من يناير 2026 بالرباط، نقطةَ ارتكاز لمقالها، مستخلصةً منها أنّ الفجوة بين دبلوماسية الرباط الفاعلة وقاعدةٍ شعبية إفريقية لم تتقبّل المغرب بعد، فجوةٌ بنيوية عميقة لا مجرّد نتيجة كرويّة عابرة.
والمقال، إذا قُرئ من زاوية الإنصاف، فيه ما يستحقّ الاعتراف. فالكاتبة تشير عن حقّ إلى أنّ الفعل الدبلوماسي المغربي يسبق المجتمعَ المغربي في استيعاب أفريقيته. وتذكر أنّ البرامج المدرسية المغربية أهملت طويلا الجوارَ الإفريقي، وأنّ جيلا كاملا تكوّن وهو لا يكاد يعرف من القارة سوى عواصمها الكبرى. وهذه ملاحظة دقيقة لا يخالف فيها مغربيٌّ متأمّل في حال بلاده. كما لا تخفي الكاتبةُ منجزات الدبلوماسية المغربية: العضويةَ الثالثة في مجلس السلم والأمن، وقرار مجلس الأمن 2797 الذي وصف خطّة الحكم الذاتي بأنها الحلّ «الأكثر واقعية»، ومبادرةَ الأطلسي التي تربط دول الساحل بالمحيط، وشبكة وكالة التعاون الدولي المغربية التي كوّنت خمسة وثلاثين ألف إطار إفريقي.
ومع ذلك، فإنّ المقال يعاني من ثلاث ثغرات منهجية، ومن إغفال جوهريّ واحد يبتر صورة الموضوع بترا.
ثلاثُ ثغرات منهجية
أوّلها أنّ المقال يقوم بأكمله تقريبا على صوت عالم اجتماع واحد هو الأستاذ مهدي عليوة. فالأطروحة المركزية التي يدور حولها المقال — «المغربُ لا يعرف بعدُ أنه إفريقيّ» — مستعارة من فمه ومحمولة عليه. وحين يدّعي المقال أنّ في إفريقيا جنوب الصحراء شعورا متراكما بالاستعلاء المغربي، يُفترض في أيّ تحقيق صحفيّ جادّ أن يُسمعنا صوتا واحدا على الأقلّ من سكّان دكار أو أبيدجان أو لومي أو كوتونو. لا صوتا نغاليا واحدا في المقال، ولا صوتا إيفواريا، ولا صوتا غانيّا. فكأنّ الكاتبة تتحدّث عن نظرة الآخر إلى المغرب دون أن تعطي الكلمةَ لذلك الآخر. وهذا مأخذ ثقيل، لأنّ الزعمَ ينقض نفسه بنفسه: مقالٌ يدّعي وصفَ علاقةٍ بين مجتمعين، ولا يحضر فيه إلا صوتٌ من جهة واحدة.
وثانيها أنّ المقال يحمّل لحظةً رياضيّة عابرة أكثرَ ممّا تحتمل. فالفرحُ بهزيمة فريق منظِّم البطولة، خاصة إذا كان مرشّحا للقب على أرضه، ظاهرة كرويّة كونية لا تختصّ بإفريقيا والمغرب. حين خسرت فرنسا أمام السنغال سنة 2002، وحين سقطت البرازيل في عقر دارها أمام ألمانيا سنة 2014، انتشرت موجات مشابهة من الشماتة عبر العالم من غير أن يستخلص أحدٌ من ذلك أنّ الفرنسيين أو البرازيليين «غير مقبولين في أوطانهم». قد يكون في تجاوب الشارع الإفريقيّ مع نتيجة الرباط بُعدٌ زائد على المنافسة الرياضية المحضة، لكنّ إثبات ذلك يحتاج إلى استقصاء، لا إلى استنتاج على هامش الشاشة.
وثالثها أنّ المقال يبني على مقارنةٍ معرفيّة لم يُقم عليها دليل: «اسأل أيّ إفريقيّ جنوب الصحراء عن عاصمة المغرب يجبك، واسأل أيّ مغربيّ عن عاصمة كوت ديفوار لا يعرف». هذه مقارنة دالّة لو كانت موثّقة بأرقام، لكنّها في المقال مجرّد قول دون سند. ثمّ إنّ هذا اللاتماثل المعرفيّ قائمٌ بين الشعوب الإفريقية بعضِها مع بعض: لو سُئل المالي عن عاصمة كينيا، أو الكاميروني عن عاصمة مدغشقر، لما اختلفت النتيجة كثيرا. والمسافةُ الجغرافية، واختلافُ اللغات الاستعمارية الموروثة، وغيابُ الوسائط الإعلامية المشتركة، عواملُ أعمق في تفسير هذه الظاهرة من فرضية «الاستعلاء المغربيّ» التي يقفز إليها المقال.
الإغفال الجوهريّ
لكنّ الثغرة الكبرى ليست في هذه التفاصيل، وإنّما في إغفالٍ كامل لما هو، في تقديري، الرابطُ الأعمق بين المغرب وغرب إفريقيا. لقد بُني مقالُ «جون أفريك» على مفهوم ضيّق للأفريقية: أفريقيةُ القرن العشرين، أفريقيةُ مؤتمر باندونغ، أفريقيةُ منظمة الوحدة الإفريقية، أفريقيةُ لومومبا ونكروما وعبد الناصر. وهي أفريقيةٌ سياسية محترَمة، ولكنّها متأخّرة في الزمن. والمغربُ كان إفريقيّا قبل أن تُسكَّ هذه الأفريقية بقرون.
فمنذ القرن الحادي عشر الميلاديّ والمغربُ وأقاليم غرب إفريقيا في تماسّ بنيويّ. وصلت الإمبراطورية المرابطيّة إلى نهر السنغال وأطراف إمبراطورية غانة القديمة، وأرسَت تحوّلات دينية وسياسية حاسمة في تلك الأصقاع. وفي القرن السادس عشر، حملت الجيوش السعدية ثقلَ المخزن المغربي إلى أطراف نهر النيجر بعد معركة تُونْدِيبِي وسقوط إمبراطورية صنغاي. هذه روابطُ تاريخيّة موثّقة، لا أساطيرَ تُستذكَر.
ثمّ إنّ ما لا يُذكَر في المقال البتّةَ، وهو الأهمّ، أنّ مدينة فاس ظلّت قرونا قِبلةَ علماء غرب إفريقيا، وأنّ الزاويةَ التيجانية التي اتّخذت من فاس مقامها على يد الشيخ أحمد التيجاني نهايةَ القرن الثامن عشر، تجمع اليوم عشرات الملايين من الأتباع في السنغال ومالي والنيجر ونيجيريا وموريتانيا وغيرها. وكلّ تلك الأرواح، حين تتّجه إلى ضريح الشيخ في فاس، لا ترى المغرب بلدا غريبا، بل تراه قبلةً روحيّة ومرجعا أصليا.
ولا تقتصر هذه الروابط على التيجانية. فللزاوية القادرية، المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، حضورٌ ممتدّ من موريتانيا إلى نيجيريا. وللشاذليّة والدرقاويّة امتدادها في موريتانيا والصحراء وما بعدها. وقد شكّلت هذه الطرقُ رحم التصوّف الإفريقي الغربيّ الذي قام عليه تديّنُ عشرات الملايين. ومعهد محمد السادس لتكوين الأئمة الذي افتُتح بالرباط سنة 2015 ليس مبادرةً دبلوماسية مستحدَثة، بل إعادةُ صياغة مؤسّسية لرابطٍ تاريخي طويل، يكوّن سنويا مئات الأئمة والمرشدين من بلدان غرب إفريقيا.
هل يمكن لقارئ «جون أفريك» أن يخرج من المقال ولديه أدنى فكرة عن هذا البعد؟ كلّا. لقد اختار المقال أن يتحدّث عن الأفريقية بمصطلحات أديس أبابا فقط، فأهمل ما أنشأه أربعةُ قرون من علاقة دينية وروحيّة لا تزال حيّةً في كلّ جمعةٍ وكلّ مجلس ذكرٍ في دكار وتوبا وكاولاك وكانو ونواكشوط. وهذا الإغفال ليس تفصيلا، بل هو اختزال لنصف الموضوع.
أيُّ «أفريقيّة» يعنيها المقال؟
من هنا تأتي الملاحظة المفهوميّة، وهي ربّما الأخطر: ما هي «الأفريقية» التي يفترض المقال أنّ المغرب لم يَنَلها بعد؟ هل هي الانتماءُ الجغرافيّ إلى القارّة؟ ذاك أمرٌ لا يحتاج إلى نقاش. هل هي المشاركة في تجربة الاستعمار؟ ذاك تاريخٌ مشترك مع أغلب القارّة. هل هي التماهي في أيديولوجيا باندونغ ونكروما؟ ذاك خيارٌ سياسيّ محدّد لجيلٍ بعينه، لا يصحّ اشتراطُه على بلدٍ له تاريخه الخاصّ ومسيرتُه الخاصّة.
تفترض الكاتبة أنّ ثَمّة «أفريقية» واحدة جاهزة، يجب على المغرب أن يقترب منها وينالَ شهادتها. لكنّ الواقع أنّ الأفريقية في حدّ ذاتها ليست كيانا متجانسا. ما الذي يجمع بين سنغاليّ مسلم منتمٍ إلى إحدى الطرق الصوفية، وكونغوليّ كاثوليكي، وإثيوبيّ أرثوذوكسيّ، وجنوبِ إفريقيّ أنغليكاني، أكثرَ ممّا يجمع كلّا منهم بالمغرب؟ يجمعهم القارّةُ، ويفرّق بينهم كلّ ما عداها تقريبا. والمغربُ بهذا المنطق ليس أقلّ أفريقيّةً من أيٍّ منهم؛ بل له، في الجهة الإسلاميّة الصوفيّة، روابطُ مع جزء واسع من القارّة أعمقُ ممّا يربط بين أجزائها بعضِها مع بعض.
موضع التحدّي الحقيقيّ
لا يعني هذا أنّ المقال يصدر عن خطإٍ تامّ. ثَمّة تحدٍّ حقيقيّ يواجهه المغربُ فعلا في علاقته بالقارة، لكنّ المقال لم يضع يده على موضعه الصحيح. فالتحدّي الحقيقيّ ليس في «قبول المغرب إفريقيّا»، وإنّما في طريقة معاملته لجالياته الإفريقية على ترابه. وقد أوردت «جون أفريك» نفسها أرقاما دالّة: ما بين الثمانين والمائة ألف من المهاجرين الأفارقة من جنوب الصحراء على الأرض المغربية، وأربعة عشر ألفا وخمسمائة طالب إفريقي تتكفّل بهم وكالة التعاون الدولي المغربية سنويا. وفي جودة هذا الحضور اليوميّ، لا في منابر أديس أبابا ولا في موجات ليلةٍ على الشبكات، يتحدّد الرابطُ الحيّ بين المغرب والقارّة. ثمّ إنّ التحدّي قائمٌ كذلك في البرامج الدراسية التي ذكرتها الكاتبة بحقّ، وفي التغطية الإعلامية المغربية الضعيفة لجواره الجنوبيّ، وفي ضرورة تحويل الرأسمال الروحي والحضاري الذي ورثه المغرب إلى رأسمال ثقافيّ وإعلاميّ يعرفه الناسُ بين كانو وكوناكري قبل أن يصلوا إلى الحَرَم العلميّ في فاس.
هذه أسئلةٌ جدّية، تستحقّ مقالا في حدّ ذاتها. أمّا اختزالُ المسألة كلّها في صفّارة نهاية مباراة وموجةِ هتافات على الإنترنت، فمنحٌ لتلك اللحظة ثقلا لا تحتمله، وتفويتٌ لتشخيص أعمق وأكثر إنصافا.
خاتمة
في حسابات السياسة، يُقاس النجاح بسنوات. وفي حسابات الذاكرة الجماعية، يُقاس بأجيال. أمّا في حسابات الروح، فيُقاس بقرون. وقد أمضى المغربُ مع إفريقيا قرونا، لا في صفقات ولا في تنافسات، بل في سندٍ روحيّ طُبع في مدائن غرب إفريقيا حروفا لا تُمحى. ومن قاس العلاقةَ بمؤشّرات الكان وحدها، فقد قاسها بمسطرة لا تليق بقياسها. أمّا من نظر إلى عمقها التاريخيّ والدينيّ، فسيعلم أنّ ما تواجهه الرباطُ ليس امتحانَ «الانتماء»، بل امتحانَ «الترجمة»: ترجمةُ ميراثٍ روحيّ غنيّ إلى لغة سياسية وإعلامية وثقافية يفهمها مواطنو القارّة الذين لم يدخلوا الزوايا، ولم يتعلّموا في مدارس فاس، ولم يقرؤوا عن المرابطين والسعديين.
ذاك امتحانٌ مفتوح، لكنّه ليس امتحان بداية. إنّه امتحانُ متابعة، لمن يعرف أنه سار في الطريق منذ ألف سنة.



