
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
يبدو أن رائحة الغاز الطبيعي لم تعد تكتفي بتدفئة البيوت الباردة في القارة العجوز، بل صارت قادرة على تليين عقول الباحثين في مراكز الدراسات الأمريكية الأكثر صرامة. ففي مركز “ستيمسون” (Stimson Center) بواشنطن —المتخصص في الأمن الدولي— اكتشفنا فجأة أن الموضوعية الأكاديمية يمكن مقايضتها بـ”سوناطراك” مقابل حفنة من التحليلات التي تبدو وكأنها خُرِجت من مطابخ قصر المرادية قبل أن تُترجم إلى لغة “العم سام”. الباحث الجزائري جلال خشيب، الذي يُفترض أنه يمارس “التفكير الاستراتيجي” في دراسته المعنونة بـ “سياسة الاتحاد الأوروبي المجزأة تجاه شمال إفريقيا”، قرر أن ينصب نفسه “خصما وحكما” في آن واحد، محولا مكتبه إلى ملحق إعلامي لمجلة “الجيش”، ليحاكم المغرب ورقيا ويروج للبروباغندا الجزائرية تحت غطاء “التحليل المستقل”.
المثير للسخرية في دراسة خشيب هو ذاك “التدليس” الأكاديمي الفج؛ فهو يقدم للعالم نظرية “ثورية” مفادها أن كل ما تفعله الجزائر هو “استقرار وحكمة”، بينما يجلد المغرب بتهم “الابتزاز”، في محاولة بائسة للتأثير على قرار الاتحاد الأوروبي وثنيه عن تأييد الحكم الذاتي. ولكن، لكي تكتمل هذه “الوليمة”، كان لا بد من لمسة “الشيف” في جريدة “الخبر” الموالية لنظام العسكر، التي قررت إضافة “بهارات” حارقة من قاموس الحرب الباردة، مستبدلة مصطلحات الباحث “الدبلوماسية” بعبارات “التجسس” و”المساومة”، لتتحول الدراسة من ورقة بحثية إلى “بوق جزائري” يصدح في قلب واشنطن.
والحقيقة أن هذه الهستيريا ليست إلا عويلا استراتيجيا مريرا خلفته صدمة “ماما فرنسا” و”طاطا إسبانيا” بعد اعترافهما بمغربية الصحراء. ولأن “المصائب لا تأتي فرادى”، انتقلت العدوى من واشنطن إلى قاعات المحاكم الفرنسية. ففي الوقت الذي يحاول فيه خشيب يائسا “تأديب” أوروبا أكاديميا، طفت على سطح “الخبر” نغمة جديدة تتهم القضاء الفرنسي، والهدف حسب هذه المزاعم، ملاحقة الدبلوماسيين الجزائريين وتشويه “الدولة المحورية”.
وتبلغ المغالطة ذروتها؛ ففي الوقت الذي يسعى العالم لتنزيل قرارات مجلس الأمن، يغرق إعلام العسكر وباحثوه في “بارانويا” المؤامرة، رابطين بين ملفات جنائية (مثل احتجاز قنصل جزائري) وبين “عداء الدولة العميقة الفرنسية”. إنها “توليفة” عجيبة: غاز لتليين مراكز الأبحاث في واشنطن، وتهم الصهيونية لإرهاب القضاء في باريس، وكل ذلك لثني القارة عن حقيقة أن “القطار المغربي” غادر المحطة بالفعل.
ويكتمل هذا المشهد السريالي حين يجمع بين تدليس الباحث وهلوسات الإعلام الموجه؛ حيث يصبح جلال خشيب يدلس، وباريس تُتهم.. والحقيقة؟ الحقيقة هي الوحيدة التي تطلب اليوم “حق اللجوء” بعيدا عن هذه المهزلة التي تخلط بين “الأكاديميا المأجورة” وهلوسات “المؤامرة الكبرى”. فمبروك لـ”ستيمسون” تحويله إلى بوق للنظام، ومبروك لـ”الخبر” اكتشافها أن العالم كله “صهيوني” ما لم يصفق لعقيدة “الجنرالات”.



