
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
لم يكن دخول نائل العيناوي كأس إفريقيا 2025 كمن جاء محمولا على ضجيج التوقعات، ولا باعتباره نجم واجهة. بل دخلها كما يلعب: بهدوء، وبقناعة أن كرة القدم تحسم في التفاصيل التي لا تلتقطها الكاميرات دائما. ومع توالي المباريات، تحول اسمه تدريجيا من علامة استفهام إلى يقين تكتيكي، لاعب لم يفرض نفسه بهالة إعلامية، بل بالحضور المستمر والقرار الصحيح والحاسم.
في قراءات عدد من المختصين، جرى التعامل مع أداء العبناوي باعتباره نموذجا للاعب وسط حديث: لا يطارد الأضواء، لكنه يمنح التوازن؛ لا يبحث عن الأرقام الفردية، لكنه يضبط إيقاع الجماعة. هذا الانطباع ترسخ مع كل مباراة، إلى أن جاءت الذروة في نصف النهائي أمام نيجيريا، حيث خاض 120 دقيقة من التركيز دون أن يفقد بوصلته، قبل أن يتقدم لتنفيذ أول ركلة ترجيح بثبات لافت، وكأنه يتعامل مع لحظة محسوبة مسبقا لا مع ضغط جماهيري خانق.
ذلك المشهد أعاد إلى الواجهة الخلفية الثقافية للاعب أكثر مما استدعى المقارنات التقنية. اسم العيناوي، المحفور في ذاكرة كرة المضرب العالمية، هذا الاسم لم يعد مجرد إرث عائلي ثقيل، بل مفتاح قراءة لشخصية نائل. يونس العيناوي، الذي بنى مسيرته على مباريات تحسم بالصبر والنفس الطويل، لم يورث ابنه مضرب التنس، لكنه أورثه علاقة خاصة مع الزمن والضغط. فالحامل للرقم 24 لا يلعب وكأنه في سباق، بل كمن يعرف أن المباراة لا تستعر بل تربح حين تدار في التمرين وانضباط على مدار 24 ساعة، مثل رقم قميصه.
في قلب وسط الميدان، لم يحتج العيناوي إلى أدوار مسماة ليثبت قيمته. وظيفته داخل المنظومة كانت واضحة: ربط الخطوط، تأمين التحول من الدفاع إلى الهجوم، والحفاظ على استمرارية اللعب دون ارتباك. قراءة اللعب المسبقة، واختيار التوقيت المناسب للتدخل أو التمرير، جعلاه أشبه بميزان خفي يضبط إيقاع المنتخب المغربي، مانحا إياه صلابة جماعية دون التفريط في جودة البناء. هذا النوع من اللاعبين، الذين يشتغلون في الظل أكثر مما يظهرون في اللقطات، هو ما اعتبره متابعون في الإعلام الأوروبي أحد مفاتيح الاستقرار التكتيكي في هذه النسخة من البطولة.
الأرقام جاءت لتدعم هذا الحضور الهادئ. ست مباريات كاملة دون غياب، بنسبة تمرير قاربت 89%، ارتفعت إلى أكثر من 93% في المناطق الدفاعية، مع قدرة واضحة على الخروج بالكرة تحت الضغط. تمريراته الطويلة لم تكن استعراضية، بل وظيفية، تخدم التحول السريع في اللعب. دفاعيا، كان حاضرا في استرجاع الكرات والتغطية في التوقيت المناسب، دون اندفاع أو تهور. والأهم أنه في هذه البطولة يحتفظ بسجل انضباطي نظيف، بلا بطاقات، وهو مؤشر على نضج ذهني نادر في لاعب يخوض أول بطولة قارية بهذا الحجم.
وخارج المستطيل الأخضر، فسيرة نائل العبناوي لا تروى بمنطق الجغرافيا المباشرة بقدر ما تفهم بمنطق الجذور. فعائلة العيناوي تنحدر من ضواحي مدينة وجدة، مسار كروي تشكل هناك. إذ سبق لنائل حمل قميص براعم المولودية، المدينة هنا ليست عنوانا في بطاقة تعريف، بل خزان قيم: الصبر، الانضباط، والعمل بصمت بعيدا عن الضجيج. بين فرنسا حيث ولد نائل، وإيطاليا حيث نضج كرويا، تظل هذه الجذور خيطا غير مرئي يمنح الاسم ثقله الإنساني ويكمل صورة لاعب اختار أن يصنع مكانه بالفعل لا بالكلام.
بعمر الرابعة والعشرين، لم يعد نائل العبناوي مشروع لاعب للمستقبل، بل قطعة أساسية في الحاضر. قائد لا يرفع شارة العمادة، لكنه يفرض الإيقاع. ومع الأفق المفتوح على مواعيد كبرى، من مونديال 2026 إلى رهانات 2030، يبدو أن وسط ميدان المنتخب المغربي وجد لاعبا يجمع بين ثقافة الذهن في كرة المضرب وصلابة الالتحام في كرة القدم، بين إرث ثقيل وطموح شخصي يكتب بهدوء.. تماما كما يلعب.



