
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في الوقت الذي كانت فيه الجماهير الإفريقية تتهيأ لمواجهة حقيقية جد محتملة من وزن ثقيل في نصف نهائي كأس إفريقيا بين المغرب والجزائر، كانت ماكينة الخطاب الجزائري منشغلة بأمر آخر تماما: رسم خريطة كونية للمؤامرة. فبدل الحديث عن كرة القدم والـ 90 دقيقة، جرى توزيع الأدوار كالتالي: الكاف متآمرة، القرعة متآمرة، مراكش متآمرة، الرباط متآمرة… وحتى الكرة التي “أغرت” أحد أعضاء الطاقم الفني الجزائري — نعم، حتى الكرة نفسها صنفت في خانة المؤامرات.
الهزيمة أمام نيجيريا لم تقرأ باعتبارها نتيجة مباراة، بل كوثيقة استخباراتية سرية تثبت أن “القدر” تواطأ لتجنب صدام أمام المغرب في الرباط. مدرب الخضر بدا شاحبا قبل صافرة البداية، ليس خوفا من النسور، بل من سيناريو العبور إلى نصف النهائي حيث “أسود الأطلس” في انتظار غير مرحب به. وهكذا تحولت كرة القدم من لعبة إلى فيلم طويل بعنوان: هربٌ تكتيكي من الحقيقة.
منذ بداية البطولة، تم تشغيل لحن المظلومية على القنوات الرسمية: القوانين تغيّرت، المسار صعب، اللعب مع صاحب الصف الثاني في ثمن النهائي مؤامرة — مع أن تلك القوانين تغيرت منذ 2019 ويعرفها الجميع، إلا حفيظ دراجي ومن يفضل تحويل القانون إلى شماعة. السفر إلى مراكش؟ مؤامرة. تعيين الملاعب قبل معرفة مكان لعب الجزائر؟ مؤامرة. الفندق خمس نجوم؟ مؤامرة مترفة. حتى صور الرباط التي ظهرت مظلمة في بعض الشاشات الرسمية الجزاىرية لم تكن مشكلة تقنية، بل “واجبا وطنيا” لحماية أعين المتابعين من رؤية تنظيم ناجح وملاعب مبهرة بالجوار. بينما صورة صاحب الجلالة في فندق المنتخب الجزائري — طبعا مؤامرة كاملة الأركان! مع ورق رسمي وختم أحمر لو تطلب الأمر.
الحقيقة البسيطة التي يرفضها الخطاب الرسمي هي التالية: من اعتاد قراءة الكرة عبر نظارات “الكولسة” لا يمكنه فجأة تفسير النتائج بلغة الرياضة. ومن عاش طويلا في مدرسة “الكولسة منذ عهد روراوة” يرى في رمية تماس سر دولة، وفي ضربة ركنية مشروع انقلاب رياضي. لذلك يصبح من الطبيعي أن يتحول تبول مشجع جزائري على عمود كهربائي إلى “عملية مدبرة لأنه يبيت في الشارع. أيضاً. المظلومية ليست صدفة؛ إنها منتوج رسمي قادم من المرادية، حيث صنعت في ذهن الجزائري فكرة أن البلد مستهدف من كل الجهات وأن المغرب هو “الشرير المفضل/ العدو الكلاسيكي” في هذا الفيلم الطويل. وهكذا صار أي حدث — كروي أو جوي — مؤامرة مكتملة: خسارة مؤامرة، تعادل مؤامرة، حتى الفوز مؤامرة ولكن بنكهة بلاغية مختلفة.
ثم تأتي الأسطوانة التاريخية الجزائرية: “عندنا سوابق”، نعم — سوابق في تحويل النقاش الكروي إلى خطبة سياسية. من نهائي 1980 إلى اليوم، تتكرر الفكرة نفسها برداء جديد: عندما لا تسير الأشياء كما نشتهي، نرفع لافتة المؤامرة، ونبحث عن كائن خارق يجلس في الرباط ويضغط على أزرار التحكم بالقارة الإفريقية. أما المغرب، المنظم، الملاعب الممتلئة، الصورة الجيدة، الحضور الجماهيري، فكلها بالطبع لا تقرأ كنجاح تنظيمي ورياضي، بل كحلقة إضافية في “المخطط”. فالاعتراف بالتفوق الكروي مؤلم؛ أسهل بكثير أن نقول: “تآمروا علينا”، ونغلق القوس. وهكذا تحولت نيجيريا إلى “مخرج طوارئ” أنقذ البعض من مواجهة نصف نهائي كانت ستتطلب شجاعة أكبر من خطابات القنوات.
يبقى السؤال الذي يفرض نفسه بسخرية مرة: لماذا كلما سقطت نتيجة رياضية، خرج علينا من يشرحها لنا ليس بقوانين الكرة، بل بقوانين مسرحية الظل؟ ذلك أن الجواب الجاهز فهو دائما نفسه: لأن المؤامرة أسهل من الاعتراف، والكولسة أريح من المراجعة، والهروب من نصف النهائي أنسب — خصوصا حين يكون الخصم جارا اسمه المغرب.
في قلب هذا “الاحتفال الدائم بالمؤامرة”، ينسى دعاة المظلومية أن التاريخ يملك ذاكرة طويلة ولا يحتاج إلى “تيليكوموند مغربية” ليشتغل. فـ هذا المناخ الانهزامي ليس جديدا على الكرة الجزائرية؛ فالتاريخ يعيد نفسه بصور أقبح. بالعودة إلى نهائي 1980، تكشف اعترافات الأساطير مثل صالح عصاد ورابح ماجر عن حجم التدخل السياسي الذي وأد طموح جيل ذهبي. حينها، دخل وزير الرياضة جمال الدين حوحو ليزرع الشك في نفوس اللاعبين بعبارات سياسية مغلفة بالدبلوماسية، مدعيا أن نيجيريا بلد صديق يمر بظروف صعبة. كانت تلك مهزلة لاڨوس الشهيرة، حيث بيعت الكأس في سوق المقايضات السياسية، تماما كما بيعت طموحات الجماهير اليوم في 2026 لتجنب النكسة الوطنية التي كانت ستحدث لو رفرف العلم المغربي منتصرا في نصف نهائي أمام أنظار جيرانهم.
الأمر لا يقف عند حدود “النتائج المدروسة سياسيا”، بل يمتد إلى الجانب الإنساني الأكثر قسوة. فثمن العصر الذهبي للمنتخب الجزائري كان إنجازات مرصعة بالألم.
المفارقة الصارخة أن ذلك الجيل الذي طُلب منه الخسارة سياسيا، كان هو نفسه ضحية لملف طبي قاتم ما زال ظله ثقيلا. قضية الأبناء المتضررين صحيا لنجوم الثمانينات تظل وصمة عار لا تمحى؛ أسماء مثل محمد شعيب، جمال مناد، ومحمد قاسي سعيد دفعوا الثمن من صحة أبنائهم، في ظل صمت رسمي وأرشيف طبي اختفى كما تختفي الحقائق حين تصبح مزعجة. لقد تألقت الجزائر في خيخون وحصدت لقب 1990، لكنها تركت خلفها جروحا إنسانية لا تزال تئن في بيوت اللاعبين حتى اليوم.
وتستمر الحكاية بالسيناريو نفسه تقريبا: في 2026، يبدو أن “الدولة القارة” – كما يحلو لإعلامهم تسميتها – عجزت عن مواجهة حقيقة التفوق المغربي. فالهروب من نصف النهائي كان قرارا غير معلن، لأن صور الملاعب العالمية والتنظيم الباهر والاحترافية المغربية كانت ستعري واقعا داخليا مأزوما في الجزائر. لذلك فضلت الخسارة أمام نيجيريا، كما فضلت الانسحاب المعنوي في 1980، لأن الهزيمة أمام الجار المصنف ثامنا عالميا وفي عاصمته الرباط كانت ستتحول إلى حداد وطني كامل الطقوس.
أما اليوم، فتعاد الكتابة بنفس القلم تقريبا: “الدولة القارة” تفضل الخروج المبكر على مواجهة مرآة اسمها المغرب. فالاعتراف بتفوق الآخر يحتاج شجاعة أكبر من قراءة بيان رسمي.
إذا كانت الجزائر “قارة” كما يكرر إعلامها ليل نهار، فهل تحتاج فعلا إلى هذه الجغرافيا المتخيلة من المؤامرات الصغيرة؟ لماذا لا تنظم كأس قارتها الخاصة وتريح العالم من حكاية “المستهدف من الجميع”؟
لماذا كلما سقطت نتيجة، سقط معها كتاب في علم “المؤامرات الرياضية الكبرى”؟
ولماذا يظل الهروب من نصف النهائي حلا مناسبا — تحديدا



