
السفير 24– مولاي إدريس الحيمر/ سفيان الزيوات
تُعدّ ملاعب القرب من بين أهم المشاريع ذات البعد الاجتماعي التي راهنت عليها الدولة من أجل تشجيع الأجيال الصاعدة على ممارسة الرياضة، واستثمار طاقاتها في فضاءات آمنة تُبعدها عن الانحراف والإدمان والجريمة.
وقد قُدمت هذه الملاعب، منذ إطلاقها، باعتبارها جزءاً من رؤية وطنية شاملة تهدف إلى تعزيز التنمية البشرية، خاصة في صفوف الشباب والأطفال، سواء في الوسط الحضري أو القروي.
غير أن الإشكال لا يكمن في الفكرة في حد ذاتها، فملاعب القرب في جوهرها ليست مجرد مرافق رياضية، بل هي استثمار في مستقبل الشباب، ووسيلة للاندماج الاجتماعي، وآلية لاكتشاف المواهب الرياضية وصقلها.
كما تشكل فضاءات للقاء والتواصل بين مختلف الفئات العمرية، لا سيما في الأحياء الهشة التي تفتقر لمرافق الترفيه والتأطير. وقد ساهمت رغبة المملكة في الترشح لتنظيم كأس العالم 2030 في تسريع وتيرة إنجاز هذه الملاعب، باعتبارها أحد مكونات البنية التحتية الرياضية التي تعكس صورة بلد يهتم بتنمية مهارات أبنائه.
غير أن هذا الرهان يصطدم، في عدد من الحالات، بسوء التدبير وغياب الحكامة. فقد تحوّلت بعض ملاعب القرب، خصوصاً بمدينة تيفلت، من مرافق عمومية ذات طابع اجتماعي إلى مشاريع ربحية تُدار بمنطق الاستثمار التجاري بدل الخدمة العمومية، حيث وصلت تسعيرة الاستفادة في بعض الملاعب إلى ما بين 50 و100 درهم للساعة الواحدة، وهو مبلغ يفوق القدرة المادية لفئات واسعة من الشباب المنحدرين من الأحياء الشعبية، وهم الفئة التي أُنشئت هذه الملاعب من أجلها بالأساس.
ويُسجَّل، حسب معطيات متداولة محلياً، أن عدداً من الجمعيات أصبحت المستفيد الأول ، حيث يتم احتكار هذه الفضاءات لفترات طويلة، في غياب مبدأ تكافؤ الفرص بين باقي أبناء الأحياء.
بل إن الأمر يتجاوز ذلك إلى استخلاص مبالغ شهرية من الأطفال وأوليائهم تحت مبررات مختلفة، كالتدريب أو الانخراط، ما يطرح تساؤلات جدية حول قانونية هذه الممارسات ومآل الأموال المتحصَّل عليها.
هذا الوضع يثير علامات استفهام حقيقية حول الدور الذي يُفترض أن يقوم به العمل الجمعوي، والذي يقوم أساساً على التطوع وخدمة الصالح العام، لا على تحويل المرافق العمومية إلى مصادر للربح والاغتناء.
كما يفتح الباب أمام شبهات استغلال فئة قاصرة، يُفترض حمايتها وتأطيرها، لا تحميلها وأسرها أعباء مالية شهرية داخل فضاءات أُنشئت أصلاً لتكون مجانية أو بتسعيرة رمزية.
وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري حول السند القانوني لاستخلاص واجبات الاستفادة من خدمات ملاعب القرب، علماً أن استخلاص أموال بدون وجه حق يُعد فعلاً يُعاقب عليه القانون، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرفق عمومي ممول من المال العام. وهو ما يدفع فعاليات مدنية وحقوقية إلى مطالبة وزارة الداخلية والسلطات المختصة بفتح تحقيق فوري، من أجل الكشف عن مصير الأموال المستخلصة، وتحديد المسؤوليات، وضمان محاسبة كل المتورطين والمتواطئين في استغلال هذه المرافق العمومية ذات الطابع الاجتماعي.
إن تحويل كرة القدم، وهي رياضة ارتبطت تاريخياً بالفئات الفقيرة والشعبية، إلى سلعة داخل ملاعب القرب، يُفرغ هذه المبادرة من بعدها الإنساني والتربوي.
وللتذكير، فإن معظم نجوم الكرة العالمية انطلقوا من الأزقة والأحياء الشعبية، من مارادونا وبيليه، إلى عدد كبير من اللاعبين البرازيليين، وعلى الصعيد الوطني برزت أسماء وازنة مثل العربي بن مبارك “الجوهرة السوداء” وشيشا، الذين صقلت الملاعب الشعبية مواهبهم قبل أن تصنع منهم نجوماً.
إن إنقاذ مشروع ملاعب القرب بتيفلت يمرّ عبر إعادة الاعتبار لرسالته الأصلية، وتكريس مبادئ الشفافية والحكامة الجيدة في التدبير، وضمان ولوج عادل ومنصف لكل الأطفال والشباب، مع توفير التأطير الحقيقي.
فبدون ذلك، ستظل هذه الملاعب مجرد بنايات إسمنتية، عاجزة عن تحقيق الهدف الذي أُنشئت من أجله، بل وقد تتحول إلى عامل إضافي من عوامل الإقصاء والاحتقان الاجتماعي، بدل أن تكون أداة للوقاية والإدماج



