
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
يبدو أن الفيفا في نسختها الجديدة قررت أن تمنح كرة القدم فرصة نادرة لتجربة العبث بصورة رسمية. 48 منتخبا، 12 مجموعة، وتأهل أفضل الثوالث… نظام يشبه تلك الاجتماعات التي يبدأ فيها الجميع متفائلين وينتهون دون أن يفهم أحد ما الذي اتفقوا عليه. القرعة التي تابع عشاق المستديرة أطوارها بدت أقرب إلى مزاد خيري منه إلى عملية توزيع متوازنة للمنتخبات. كل شيء يوحي بأن البطولة لم تعد مجرد منافسة رياضية بقدر ما أصبحت ورشة تجريبية مفتوحة لاختبار قدرة الجمهور على تحمل الصدمة.
في المجموعة C مثلا. البرازيل كأنها جاءت لتقديم عرض استعراضي، المغرب يبحث عن بطاقة تأكبد تستحق العناء، اسكتلندا تستعد لنثر الفوضى، وهايتي… آه، هايتي، التي قد تستيقظ ذات صباح لتكتشف أنها تأهلت فقط لأنها سجلت هدفا بالصدفة في اللحظة المناسبة. هذا ليس ظلما؛ هذا هو النظام الجديد الذي يعتبر “التعادل الشجاع” إنجازا كافيا لنيل تذكرة نحو الدور الموالي. نظام المنافسة الجديد يرفع شعار: “احك لنا قصة جميلة وسنتكفل بالبقية”.
ننتقل إلى المجموعة H، حيث تشعر بأنك تحضر اجتماعا طارئا لمجلس الأمن: الجميع يتكلم، لكن لا أحد يضمن النتيجة. إسبانيا تدخل بثقة من اعتادت أن تتأهل قبل السفر، أوروغواي تتصرف كما لو أنها وجدت لتذكير الجميع أن القوة البدنية جزء من اللعبة، السعودية تستعد لنثر المفاجآت، والرأس الأخضر يحاول إثبات أن الحلم حق مشروع للجميع. ومع ذلك، يكفي أداء بطولي واحد ومباراتان من “الواقعية الدفاعية” ليجد أحدهم نفسه في الدور الثاني. إنها بطولة تبني مصائرها على الدقائق الضائعة أكثر مما تبنيها على الأداء.
المجموعة J لا تقل غرابة: الأرجنتين متصدرة على الورق، النمسا قلقة على الجو، الجزائر تبحث عن امتداد لروحها الكروية القديمة، والأردن يدخل بعقلية من يقول: “لن نخسر شيئا إلا ما كان ضائعا أصلا”. وإذا كان المنطق يريد للأرجنتين أن تحسم كل شيء، فإن الحسابات الجديدة تخبرك بأن فريقا قد يتأهل حتى لو لعب على سرعة الاقتصاد في الجهد. هنا، لا شيء نهائيا، والسيناريو قابل للتغيير بمجرد أن يقرر منتخب ما أن يريح نجومه.
أما المجموعة D فهي أشبه بطاولة طعام تكدست عليها الطلبات واختلطت النكهات. الولايات المتحدة، صاحبة المنزل، تريد إثبات أنها أكثر من مجرد منظمة جيدة. أستراليا تعتقد أن البطولة أقيمت خصيصاً لتناسب توقيتها البيولوجي. باراغواي ترى أن الحظ قد يبتسم لها مرة كل عشر سنوات، وفريق الملحق يعيش أجمل أيام تاريخه. النتيجة؟ قد تنتهي المجموعة بنقاط متقاربة تجعل الحسابات أشبه بمسألة رياضية من مستوى صعب، حيث كل فريق قد يبتسم له القدر بفضل قاعدة “أفضل الثوالث”.
الأكيد أن مونديال 2026 لا يبدو مجرد بطولة عالمية، بل يظهر أقرب إلى برنامج من برامج تلفزيون الواقع، لكن بقمصان رياضية وبملاعب تضيء كما لو كانت صالة حفلات. المنتخبات الكبرى تحاول ضبط النفس، المنتخبات الصغيرة تستعد لركوب الموجة، والجماهير تحاول أن تفهم كيف يمكن لبطولة بحجم كأس العالم أن تتحول إلى معادلة مفتوحة. ومع كل ذلك، تواصل الفيفا احتساء قهوتها، وكأن هذا الاضطراب مرحلة طبيعية في “تطور اللعبة”.
لكن السؤال الحقيقي ليس: من سيفوز؟ بل: من سيتمكن أولا من فهم قواعد هذه البطولة؟ وما دام الجواب غير واضح، فمرحبا بكم في مونديال 2026… البطولة التي دخلت التاريخ قبل أن تبدأ، فقط لأنها جعلت المنطق آخر المتأهلين.


