
السفير 24- بقلم : ذ. البشير حيمري / الدنمارك
إن الحرب الدامية التي عرفتها غزة غيّرت مواقف الشعوب التي تؤمن بالقيم الديمقراطية، سواء كانت شرقية أو غربية، وأعني بذلك الاصطفاف إلى اليسار أو الوسط، وليس إلى اليمين المتطرف مطلقاً. هذه هي الحقيقة التي يجب أن نبقى متشبثين بها.
لقد أقيمت شعائر الجنائز للشهداء الذين سقطوا في غزة، وغالباً في الساحات، لأن معظم المساجد والكنائس دُمرت. فالقصف لم يفرّق بين المسلم والمسيحي، بل إن المعتدين الغاصبين يعتبرون المسيحية والإسلام ملة واحدة، رغم أن الدعم الأكبر يأتيهم من دول كبرى مسيحية ودول عربية مسلمة أغناها الله بموارد البترول والغاز، لكنها تُنفق في الغالب دعماً للظلم ولإسكات الأصوات المرتفعة في العالم العربي والإسلامي ضد سياساتهم العرجاء الظالمة.
إن المواطنين الذين يدينون بالدين الحنيف، الغالبية المطلقة منهم، اصطفوا إلى جانب الشعوب المقهورة عبر التاريخ، سواء كانت مسيحية أو مسلمة. وحتى التاريخ الإسلامي يثبت أن اليهود عاشوا في سلام ووئام في المدينة ومكة، ولم يثبت يوماً أنهم اشتكوا للرسول (ص) من الكراهية اتجاههم، بل عاشوا عبر التاريخ في إنصاف واحترام وسط المسلمين. ولما حوربوا وضُيّق عليهم في الأندلس، لجؤوا إلى المغرب لينعموا بالاستقرار، حيث استقر العديد منهم في مدن معروفة كالصويرة ومراكش وآسفي، ثم انتشروا في مدن أخرى شعروا فيها بالأمن وحرية العبادة.
وإذا كان المغاربة، الذين تريد رئيسة الوزراء ترحيلهم دون رجعة، قد عبّروا عبر التاريخ عن احترامهم للتعايش والتسامح، فإن القرارات التي قد تتخذها ستكون إضراراً بشعب عُرف منذ قرون بتربية قلّ نظيرها، وبقي متشبثاً بها إلى يومنا هذا. أما سلوك العديد من الشباب المزدادين في الدنمارك، فلا علاقة له بأرض أجدادهم. فمن يجهل تاريخ المغرب وحضارته العريقة، طبيعي أن يعتبر سلوك هؤلاء انعكاساً لبلدهم الأصل، بينما الواقع أنهم أبناء مدرسة ومجتمع وسياسات حكومية لم تُعط قيمة للاستثمار في الإنسان.
إن انتماء المنحدرين من شمال إفريقيا الذين سوف يتعرضون للترحيل دون عودة، قرار ينطوي على ظلم وإجحاف وجهل بتاريخ المغرب الذي يمتد لقرون. فالأجيال المزدادة في الدنمارك لا علاقة لها بالمغرب من حيث التربية أو القيم أو الممارسة اليومية، وأقرانهم داخل المغرب يختلفون عنهم تماماً، خصوصاً في التربية والاحترام والاستقامة، بشهادة كل من زار المغرب واحتك بشعبه.
لقد عبّرت بما فيه الكفاية رداً على تصريحات رئيسة الوزراء مِتّه فريدريكسن، التي اعتبرها الكثيرون مجحفة في حق جيل وُلد وترعرع في الدنمارك. وتبقى الدنمارك وسياسات الحكومات المتعاقبة مسؤولة عن أي انحراف يحدث، إن وُجد، أو عن أي تشبث بالإسلام، الذي يعتبره هؤلاء حقاً من حقوقهم التي يضمنها الدستور الدنماركي، كما يضمن غيره من الديانات السماوية.
إن تصريحات رئيسة الوزراء قد تُدرج لدى الكثيرين ضمن خطاب الكراهية، خصوصاً إذا تعلق الأمر بالمنحدرين من شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وكل من ينتهج مواقف مخالفة أو منتقدة للحكومة، أتمنى أن لا يُدرج ضمن قوائم المتطرفين والخارجين عن القانون، مع أنهم يمارسون السياسة التي يضمنها لهم الدستور الدنماركي.
سأتوقف هنا حتى لا أُصنّف ضمن قوائم المغضوب عليهم، وأصبح مهدداً، رغم أنني أنتمي إلى الحزب الاشتراكي الديمقراطي، وميتّه هي رئيسة الحزب. وسأبذل ما بوسعي لأقنع العديد من الرفاق بما أحمله من أفكار، حفاظاً على وحدة الحزب.



