
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
بينما كان المغرب يحتفل بإنجازه التاريخي بوصول منتخب الشباب إلى نهائي كأس العالم تحت 20 سنة، كانت هناك قصة أخرى تكتب على هامش الانتصارات الجماعية، قصة شاب صاعد اسمه جسيم ياسين، جناح نادي دانكيرك الفرنسي، الذي تحول إلى ظاهرة كروية حقيقية في البطولة.
في التاسعة عشرة من عمره فقط، نجح ياسين في أن يصبح أحد أبرز الوجوه الصاعدة في كرة القدم الأوروبية، بعد مساهمته المباشرة في خمسة أهداف (هدفان وثلاث تمريرات حاسمة) خلال مشوار “أشبال الأطلس” نحو النهائي. أداؤه السلس والمبدع لم يمر مرور الكرام؛ فقد وصفت صحيفة Bild الألمانية أداءه بأنه «خليط بين السرعة الفرنسية والفكر المغاربي»، بينما كتبت Kicker أن «ذكاءه التكتيكي يتجاوز عمره بكثير».
لكن وراء هذا البريق الفردي كانت هناك منظومة متكاملة يقودها المدرب محمد وهبي، الذي وجد في ياسين حجر الزاوية في خططه الهجومية. اللاعب الشاب كان يتحرك بمرونة بين الجناحين، ويخلق العمق في المرتدات بسرعة وحس تموضع نادر. وقد قال عنه وهبي في تصريحات لموقع FIFA.com: «جسيم نموذج للاعب المغربي الجديد — ذكي، هادئ، ويضع مصلحة الفريق فوق نفسه».
هذه الشهادة لم تأت من فراغ، إذ بدا ياسين خلال البطولة لاعبا متكاملا: يمتلك المهارة والذكاء والرؤية الميدانية، لكنه أيضا يحمل في داخله روح الجماعة المغربية التي صارت عنوان هذا الجيل الذهبي.
الاهتمام الإعلامي لم يتوقف عند حدود الملاعب. فبحسب تقارير Bild وKicker، تتابع ستة أندية من الدوري الألماني اللاعب عن قرب، من بينها ماينز 05، لايبزيغ، شتوتغارت، فولفسبورغ، هوفنهايم وفيردر بريمن، في صفقة قد تتراوح قيمتها بين 8 و10 ملايين يورو. الصحف الألمانية اعتبرته “استثمارا مضمون العائد”، مشيدة بقدرته على اتخاذ القرار تحت الضغط، وهي سمة نادرة في لاعب بعمره.
في المقابل، أشارت صحيفة L’Équipe الفرنسية إلى أن أندية مثل ليل ومارسيليا ورين تراقب موقفه بجدية، معتبرة أن “فرنسا قد تكون فقدت جوهرة كانت بين يديها”. الصحيفة الفرنسية وصفت انتقاله إلى دانكيرك بأنه “قصة تحد جميلة في وجه نظام التكوين المغلق الذي يهمش أبناء الضواحي”. فمنذ وصوله إلى دانكيرك في يناير 2024، خاض أكثر من ستين مباراة وساهم بـ12 هدفا، مثبتا أنه لا يحتاج إلى أكاديمية باريس سان جيرمان ليصنع مجده.
ولد جسيم في ضواحي مرينيان بفرنسا لأبوين مغربيين من أسرة متواضعة. نشأ اللاعب المغربي في بيئة صعبة حيث كانت كرة القدم المتنفس الوحيد. في الحي، عرفوه بـ“الصغير الذي لا يتعب”، فقد كان يتدرب صباحا مع فريقه، ثم يعود ليلا ليلعب في ملاعب الأحياء الرملية. لم يكن الطريق سهلا؛ فبين رفض الأندية الكبرى وعدم استقراره الدراسي، وجد في دعم والده الذي يشتغل سائقا مفتاحا للثبات والإصرار.
هذا الجانب الإنساني أضفى عليه عمقا وشخصية هادئة تترجم في الملعب بتوازن نادر. فهو لاعب لا يندفع عشوائيا، بل يقرأ المباراة، يراقب، ثم يتحرك في اللحظة المناسبة. وكما كتبت L’Équipe: «جسيم ياسين لا يلعب فقط، بل يفكر، وكأنه عاش أكثر مما عاش فعلا».
اليوم، جسيم لم يعد مجرد جناح شاب يعد بالمستقبل، بل رمزا لتحول كروي مغربي عميق. فهو ابن الجالية الذي اختار اللعب لبلده الأصلي بإيمان عميق بالانتماء، ووجه جديد لجيل مغربي واثق من نفسه في أوروبا. إنه نموذج للمقاتل الذي لا يحمل السيف بل الحلم، وللاعبٍ يترجم قصة النجاح المغربية الحديثة داخل المستطيل الأخضر.
فمن الهامش الفرنسي إلى نهائي كأس العالم للشباب، ومن ملاعب دانكيرك إلى رادارات أندية البوندسليغا، يمضي جسيم ياسين في مسار تصاعدي يليق بمواهب المغرب الجديدة. رحلة شاب أدرك باكرا أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن الذكاء والتواضع والانضباط هي ما تصنع النجم الحقيقي.
يبدو أن اسم جسيم سيظل محفورا لا محالة في الذاكرة في لحظة أصبحت فيها كرة القدم المغربية عنوانا للتطور والانفتاح. جناح يجسد حرفيا تلك العبارة الشهيرة التي ختمت بها Bild تقريرها: «هو ليس وعدا للمستقبل فقط… بل دليل على أن المستقبل المغربي قد بدأ بالفعل».



