
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
كتب المنتخب المغربي تحت 20 سنة واحدة من أكثر الصفحات جرأة في تاريخ كرة القدم الحديثة، بعدما أطاح بفرنسا في نصف نهائي كأس العالم للشباب بنتيجة (1-1، 5-4 بركلات الترجيح).
مباراة استثنائية وصفتها صحيفة L’Équipe بأنها «درس في الذكاء التكتيكي والإدارة النفسية»، فيما رأت Eurosport أن «المدرب المغربي أعاد تعريف الشجاعة في كرة القدم».
المدرب محمد وهبي، المعروف بهدوئه وبرود أعصابه في أحلك اللحظات، أقدم على خطوة لم يسبقه إليها أحد في تاريخ بطولات الفيفا الحديثة: استخدام ثلاثة حراس مرمى في مباراة واحدة. خطوة بدت في البداية مغامرة، لكنها تحوّلت لاحقا إلى قرار عبقري حسم مصير اللقاء.
بدأ اللقاء بالحارس يانيـس بنشـاوش، حارس موناكو الشاب، الذي تألق في الشوط الأول بتصديات حاسمة أمام ثنائي فرنسا الهجومي ماتيـس تيل ونجيسـان. لكن إصابته في الدقيقة 64 وضعت الطاقم التقني في موقف صعب، ليقرر وهبي إشراك البديل إبراهيم غوميس (مارسيليا)، الذي حافظ على توازن الفريق حتى الدقيقة الأخيرة من الوقت الإضافي.
وهنا جاءت اللمسة العبقرية: في لقطة حاسمة، ومع اقتراب صافرة النهاية، فاجأ وهبي الجميع بإقحام الحارس الثالث عبد الحكيم مصباحي خصيصا لركلات الترجيح. خطوة وصفتها Arryadia بـ«المخاطرة المحسوبة»، إذ لاحظ الطاقم التقني تراجع الثقة لدى المهاجمين الفرنسيين في التعامل مع ضغط نهاية المباراة.
النتيجة جاءت مذهلة: تصد بطولي من مصباحي للركلة الأخيرة من قدم الفرنسي نجيسان، ليقود المغرب إلى أول نهائي في تاريخه ضمن كأس العالم للشباب. الصحافة الفرنسية، من So Foot إلى L’Équipe، أجمعت على أن وهبي «أعاد ابتكار فكرة كرويل في 2014، لكن بنفس مغربي خالص» — في إشارة إلى حيلة هولندا بإدخال الحارس كرويل ضد كوستاريكا في المونديال البرازيلي.
جسر بين جيلين.. ورسالة للعالم
لكن ما حدث في فالبارايسو لم يكن مجرد قرار تكتيكي ناجح، بل تجسيد لتحول ذهني عميق داخل كرة القدم المغربية. لم يعد المنتخب الشاب يلعب ليتعلم، بل يلعب ليفوز.
مشهد وهبي وهو يحتضن حراسه الثلاثة بعد المباراة تحول إلى صورة رمزية تداولها العالم: جيل جديد من اللاعبين والمدربين المغاربة يؤمنون بأن التحليل والجرأة والعقل البارد يمكن أن يهزموا الأسماء الكبيرة.
في تصريحات له بعد المباراة على FIFA.com، قال وهبي بنبرة امتنان: «هذا الانتصار ثمرة عمل جماعي. في المغرب نؤمن أن من يجلس على الدكة يمكن أن يكون البطل غدا. اليوم، رأينا ذلك يتحقق حرفيا».
ما بعد الحلم المغربي
بين تكتيك ذكي وخيارات جريئة وروح جماعية نادرة، بدا أن المغرب لا يكتفي بالتمثيل المشرف، بل يسعى فعلا إلى إعادة تعريف كرة القدم الإفريقية والعربية.
وكما كتبت L’Équipe: «لم يكن المغرب مجرد خصم لفرنسا، بل مرآة تظهر إلى أي حد تغيرت معايير الإبداع الكروي».
وإذا كانت ركلات الترجيح قد أهدت التأهل، فإن المنهجية المغربية — المزيج بين الحلم والانضباط، بين التحليل والإيمان — هي التي وضعت هذا الجيل على خريطة العالم.



