
السفير 24 – أحمد لعيوني
يشهد الخطاب الديني المعاصر حاجة متزايدة إلى تجديد مقاربته التربوية والمقاصدية، بما يعيد وصل الشعائر الدينية بوظائفها الإنسانية والأخلاقية، ويجعل التدين وسيلة لبناء الإنسان الصالح المصلح، لا مجرد التزام شكلي بالطقوس والظواهر. وفي هذا السياق تندرج الخطب الموحدة الصادرة في إطار خطة تسديد التبليغ بالمغرب، باعتبارها محاولة لترسيخ التدين الوسطي المرتبط بمقاصد الشريعة وقيمها الكبرى.
وقد شكلت خطبتا الجمعة الموسومتان بـ: من مقاصد الحج تحرير الإنسان من داعية هواه ومن مقاصد الحج الإخلاص والتفويض، نموذجا واضحا للخطاب الديني المقاصدي الذي يتجاوز العرض الفقهي المجرد لأحكام الحج إلى إبراز أبعاده التربوية والروحية والاجتماعية، وربط العبادة بوظيفة تزكية النفس وبناء السلوك الإنساني المتوازن.
أكدت الخطبة الأولى أن المقصد الأعظم من الحج هو تحقيق التوحيد الخالص لله تعالى، كما في تلبية النبي صلى الله عليه وسلم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك. وقد فهم الصحابة هذا المعنى حين عبّر جابر بن عبد الله رضي الله عنه بقوله: فأهل النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد، في إشارة إلى أن الحج في جوهره إعلان للتحرر من عبودية الهوى والشرك معا.
وتبرز الخطبة أن الشرائع الإلهية لم تُشرع لمجرد الامتثال الظاهري، وإنما لإخراج الإنسان من استعباد رغباته ونزواته إلى مقام العبودية الواعية لله تعالى، وهو المعنى الذي قرره الإمام الشاطبي بقوله: المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد لله اضطراراً.
وقد استندت الخطبة إلى جملة من الآيات المؤسسة لهذا المعنى، من أبرزها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (النازعات: 40-41)، وقوله سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (الجاثية: 23). فالهوى، في التصور القرآني، يتحول إلى صنم معنوي حين يصبح مرجع الإنسان الأعلى في الاختيار والتوجيه.
ومن هنا يتحول الحج إلى مدرسة عملية لترويض النفس وتحريرها من الأنانية والتعلق بالمظاهر؛ فالحاج يترك وطنه وأهله، ويتجرد من لباس الزينة، ويذوب وسط جموع الحجيج دون تمييز طبقي أو اجتماعي، ليتحقق معنى المساواة الإنسانية، ويترسخ أن معيار التفاضل الحقيقي هو التقوى، كما قال تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (البقرة: 197).
أما الخطبة الثانية فقد ركزت على مقصدين مركزيين من مقاصد الحج، هما: الإخلاص والتفويض لله تعالى. فالحج بما يشتمل عليه من مناسك قد لا تدرك حكمتها الجزئية بالعقل المجرد، يربي المؤمن على التسليم لله وتعظيم شعائره، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (الحج:)32.
وتكشف الخطبة أن جوهر العبادة ليس في صور الأفعال وحدها، بل في ما تحدثه من تحول داخلي في النفس والسلوك. ولذلك ربطت بين الحج المبرور وبين تهذيب الأخلاق وضبط الانفعالات، استنادا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (البقرة: 197). فالحج ليس مجرد انتقال مكاني إلى المشاعر المقدسة، بل انتقال أخلاقي من التوتر والخصومة إلى السكينة والانضباط والاحترام.
كما أبرزت الخطبة أن أعظم ثمرات العبادة تحقيق مقام الإحسان الذي عرفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. فالمؤمن الحقيقي هو من تتحول عنده العبادة إلى رقابة ذاتية دائمة، تجعله ملتزما بالقيم في السر والعلن، بعيدا عن الحاجة إلى الرقابة الخارجية.
تكشف الخطبتان معا عن تصور متكامل للتدين المقاصدي، يقوم على الجمع بين صحة العبادة وحسن السلوك، وبين الإخلاص لله والإحسان إلى الخلق. فالتدين الحقيقي لا يقف عند حدود الشعائر، وإنما يمتد أثره إلى المعاملة والأخلاق والعلاقات الاجتماعية.
الخطبتان ربطتا بين التقوى واحترام الإنسان وصيانة كرامته وأمواله وأعراضه، استلهاما لمعاني خطبة الوداع النبوية. فثمرة الحج ليست فقط مغفرة الذنوب، وإنما بناء شخصية متوازنة قادرة على التعايش والإصلاح وخدمة المجتمع.
وفي هذا الإطار يتجلى البعد الحضاري للتدين المقاصدي؛ إذ يصبح الدين قوة أخلاقية لإعمار الأرض، وترسيخ قيم الرحمة والتسامح والتعاون، لا سببا للانعزال أو الانغلاق. فكلما ازداد الإنسان قربا من الله تعالى ازداد تواضعا ورحمة بالناس، تحقيقا للقاعدة النبوية الجامعة: أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس.
إن الخطاب الديني المقاصدي، كما تعكسه خطب الجمعة موضوع الدراسة، يمثل اتجاها إصلاحيا يسعى إلى إعادة بناء الوعي الديني على أساس الربط بين العبادة ومقاصدها التربوية والإنسانية. فالحج، في هذا التصور، ليس مجرد أداء لمناسك موسمية، وإنما مشروع تربوي متكامل لتحرير الإنسان من الهوى، وترسيخ الإخلاص والتقوى والإحسان في حياته الفردية والاجتماعية.
ومن ثم فإن مستقبل التدين الرشيد يكمن في هذا التكامل بين روح العبادة وبناء الإنسان، بحيث تتحول الشعائر إلى وسائل لتزكية النفس، وإقامة القيم، وتحقيق الاستخلاف الراشد في الأرض، في انسجام بين الإيمان والسلوك، وبين التعبد لله وخدمة الإنسان.



