
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
في ضواحي باريس، حيث تتقاطع حكايات المهاجرين بين صخب النهار وبرودة الليل، يطل صوت قادم من شرق المغرب، من بركان تحديدًا، ليعيد الاعتبار لفن لطالما حمل ملامح الأرض والذاكرة. إنه صوت مصطفى البركاني، الذي بعد أكثر من ثلاثة عقود من التجربة لا يزال وفيًا لإيقاعات الركادة، مقاوِمًا بصلابة موجة التسطح والتفاهة التي اجتاحت المشهد الفني.
في عقده الخامس، يثبت البركاني أن الركادة ليست مجرد إيقاع للرقص الشعبي، بل ذاكرة جمعية وهوية فنية تعبر عن معاناة الإنسان البسيط. ابن بركان الذي حمل فنه إلى باريس منذ التسعينات، عاشر أجيالًا متعددة، ورأى كيف تحول الصوت الغنائي الأصيل إلى سلعة في “سوق” تحكمه التكنولوجيا و”الأوتوتيون”، بينما ظل وفيًا لصوته الصادق والمعبّر عن الأرض والوجع.
بدايات ومسار فني صعب
منذ التسعينات، كان البركاني شابًا يافعًا يشق طريقه وسط موجة “لاصونو” وأصوات الراي التي غزت المغرب آنذاك. أصدر ألبومه الأول “الطيارة” سنة 1997، ليصبح جواز عبوره نحو شهرة أوروبية وسط جاليات مغربية متعطشة لصوت يذكرها بالوطن. لكنه، على خلاف كثير من أبناء جيله، لم يستسلم لبريق “الأوتوتيون”، وبقي يرفض أن يسلب صوته نقاءه. بالنسبة له، الركادة ليست مجرد موسيقى، بل ذاكرة جمعية تشبه الأرض في صدقها وبساطتها.
أغنية “بورخصون”: صرخة احتجاجية ومرآة الواقع
أغنيته الأخيرة، “بورخصون” (أي “الناس الرخصاء التافهون”)، ليست مجرد عمل غنائي يضاف إلى رصيده، بل أشبه ببيان احتجاجي مشفوع بالإيقاع والجرس الشعبي. عنوانها وحده يكفي ليثير فضول المستمع، وهي صرخة من مغترب لم يعد يطيق الصمت.
في هذه الأغنية، يواجه البركاني الواقع بصرخة فنية صادقة. الأغنية تحمل أكثر من مجرد نغمة للرقص، إنها انعكاس لواقع اجتماعي مأزوم، حيث يصعد الرديء إلى الواجهة، ويُقصى الأصيل لأنه لا يساير “سوق التفاهة”.
يمكن النظر إلى أغنيته على أنها بيان احتجاجي بلغة الركادة، مرآة تكشف اختلالات الفن والمجتمع على حد سواء. تمامًا كما فعل الراي في ثمانينات وجدة ووهران، حين تحول إلى لسان حال الشارع عبر أصوات الشاب خالد والشاب ميمون الوجدي وبوطابة، تأتي الركادة اليوم بصوت البركاني لتصرخ من باريس. لكنها ليست صرخته وحده؛ إنها صرخة جيل كامل من الفنانين المغتربين الذين يعيشون غربتين متداخلتين: غربة المكان وغربة التقدير.
الغربة المزدوجة والمعاناة الفنية
الغربة لم تكن سهلة، فالفنان كما يقول “يعيش مقبرة حقيقية في المهجر”. قلة المهرجانات والفرص جعلت معظم الفنانين المغاربة المقيمين في أوروبا يضطرون للعمل في الأفراح أو الملاهي الليلية.
أما داخل الوطن، فالوضع ليس أفضل؛ إذ يُقصى من القنوات الرسمية، ولا توجّه له دعوات إلى المهرجانات، حتى تلك التي ترفع اسم الركادة نفسها. هكذا يعيش البركاني غربتين: غربة عن وطنه الأم حيث يُهمّش، وغربة في المهجر حيث يختزل حضوره في دوائر ضيقة للجالية. إنها حياة تتأرجح بين الاعتزاز بفن أصيل، والخذلان من واقع لا يمنحه ما يستحقه من مكانة.
رسالة فنية واستمرارية الركادة
وبين الحنين إلى مسارح المغرب ومرارة التهميش، يظل مصطفى البركاني شاهدًا على أن الركادة ليست فنًا للزينة أو للمهرجانات، بل خطابًا موازيًا، يفضح ويحتج ويقاوم النسيان. أغنيته “بورخصون” ليست مجرد نغمة للفرجة، بل رسالة قوية لكل من يستهين بالفن الأصيل وبأصوات المغاربة في المهجر، لتذكير الجميع أن الركادة قادرة على الاحتجاج والتعبير بصدق وعمق.



