
السفير 24 – جمال اشبابي – باريس
اليوم تمنح الكرة الذهبية في باريس، والمدينة تعيش مفارقة لافتة: الكلاسيكو الفرنسي بين باريس سان جيرمان وأولمبيك مارسيليا، الذي كان مقررا مساء الأحد 21 شتنبر، تأجل بسبب الظروف المناخية إلى هذا الإثنين، أي في نفس الليلة التي يقام فيها الحفل العالمي. المفارقة أن مرشحين بارزين مثل عثمان ديمبلي وأشرف حكيمي كانا على الورق مطالبين بخوض المواجهة الكبرى، لكنهما في الوقت نفسه على لائحة أبرز الحاضرين إلى مسرح شاتليه باعتبارهما من المرشحين للجائزة. هكذا باتت باريس منقسمة بين صخب المستطيل الأخضر وبريق السجادة الحمراء، وكأن كرة القدم الفرنسية ترغم على المفاضلة بين «كرة اللعب» و«كرة الجوائز».
والأنكى أن اسم عثمان ديمبلي يتصدر المشهد لا بفضل تصويت معلن أو أصوات صحفية معلومة، بل بفضل قوائم المراهنات. شركة William Hill وضعت الجناح الفرنسي على رأس الترشيحات بفارق واسع عن منافسيه، حتى قبل أن يفتح الظرف الرسمي. في نظر المراهنات، الحفل محسوم سلفا، وكأننا أمام بورصة أسهم لا جائزة كروية.
الصحافة البريطانية لم تتأخر في ركوب الموجة. The Times قدمت ديمبلي كمرشح «منطقي» بفضل موسمه الرقمي، فيما اجتهد موقع The Analyst في تعداد مراوغاته ومساهماته التهديفية، كأن الأرقام وحدها تكفي لإسدال الستار على ذاكرة مواسمه المتذبذبة. في المقابل، يظل أشرف حكيمي لاعب “الظل”: موسمه الصعب دفاعيا وهجوميا لا يجد مكانا في هذا الكرنفال من الإحصاءات، وكأن الجائزة لا ترى المدافعين إلا على استحياء.
لكن ما لم يقل هو أن الرهان لم يعد على الأداء وحده، بل على القدرة على صناعة العناوين. المراهنات صنعت سباقا مسبقا، والصحافة باتت تقتات على أرقامها، بينما مؤسسة France Football تلتزم الصمت. النتيجة: تسريبات عشوائية تنتشر على فيسبوك ورديت ومواقع بلا مصداقية، تروّج لقوائم «مسبقة» لا تجد سندا لدى أي صحيفة أوروبية جادة.
هنا تجدر الإشارة إلى كيفية احتساب الأصوات، حتى نفهم ما يجري خلف الكواليس. التصويت على الكرة الذهبية محصور في أيدي مائة صحافي يمثلون الدول الأعلى في تصنيف الفيفا. كل صحافي يمنح عشر مراتب: الأولى تعطي 15 نقطة، الثانية 12، الثالثة 10، الرابعة 8، الخامسة 7، ثم تتدرج حتى المرتبة العاشرة بنقطة واحدة. لا يملك الجمهور أي صوت مباشر في الجائزة، وإن كانت ضغوط الجماهير والرأي العام تلعب دورا غير معلن في تشكيل المناخ الإعلامي. من هنا نفهم لماذا تميل التحليلات المسبقة إلى ديمبلي، إذ تظهره تصنيفات «القوة» الصحفية مثل The Times وGiveMeSport في المراتب الأولى، بينما يحل لامين يامال غالبا في المركز الثاني أو الثالث كرمز للمستقبل، ويظل حكيمي في مراتب خلفية بسبب مركزه الدفاعي، الذي لطالما كان ضحية في هذه الجائزة. ورغم كل هذه القراءات، لا تتوافر إحصاءات رسمية مسبقة: لا نعرف بالضبط كم سيحصل ديمبلي من الأصوات الأولى، ولا عدد الصحفيين الذين اختاروا يامال أو حكيمي في قوائمهم. ما هو مؤكد أن ديمبلي يتصدر قوائم المراهنات والتوقعات، لكن لحظة فتح الظرف الذهبي اليوم ستبقى الفيصل بين كل هذه الحسابات والواقع.
ولأن المسرح يحتاج وجها براقا، ها هو لامين يامال يحضر إلى باريس برفقة أسرته. المشهد آسر: شاب في الثامنة عشرة يفرض حضوره كأيقونة المستقبل، بينما الكبار يتشاجرون حول رهانات و«تسريبات». عائلة بأحلام بسيطة في مواجهة قاعة مليئة بالمراهنات والرسميات؛ صورة تختصر التناقض بين براءة اللعبة وقسوة السوق.
الكرة الذهبية هذه المرة ليست مجرد جائزة؛ إنها اختبار للثقة. إذا فاز ديمبلي، سيقال إن المراهنات سبقت التصويت. وإذا خسر، فستضاف وصمة جديدة إلى سجل الجوائز التي خانت التوقعات الموجهة. في الحالتين، تصبح الجائزة عرضا مسرحيا أكثر منها تتويجا رياضيا. ومهما كان الاسم على الظرف الذهبي اليوم، يظل السؤال معلقا: هل لا تزال الكرة الذهبية تكافئ كرة القدم، أم أنها صارت تكافئ «أصحاب الرهانات»؟



