في الواجهةكتاب السفير

احتفال المغاربة بالمولد النبوي الشريف!

احتفال المغاربة بالمولد النبوي الشريف!

le patrice

السفير 24 – اسماعيل الحلوتي

      كما سبق أن أعلنت عنه وزارة أحمد التوفيق للشؤون الإسلامية في بلاغ لها يوم 23 غشت 2025، تحل ذكرى مولد النبي الكريم محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، يوم الجمعة 12 ربيع الأول 1447 هجرية موافق 5 شتنبر 2025 ميلادية. وللمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها عدة منافع أكثر مما في باقي المناسبات والأعياد الدينية، ويأتي في مقدمتها تجديد الصلة بالرسول الأكرم في هذه الأيام المباركة من شهر ربيع الأول، واستشعار محبته وتعظيمه، والقيام ما أمكن بما يتعين في حقه من تعداد شيمه، والإكثار من الصلاة عليه، وحمد الله تعالى الذي كرم فيه أمة المسلمين بمولده…

      فلولا منزلة نبينا الكريم عليه الصلاة والسلام العظيمة عند الله، ما كان سبحانه وتعالى ليقول في محكم كتابه العزيز (سورة الأحزاب، الآية 56): “إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما” وليست صلاة الله هنا في هذه الآية الكريمة سوى المدح والثناء على عبده في الملأ الأعلى، وذكره بأوصافه الحميدة والجميلة عند الملائكة، التي تدعو له بالرحمة والمغفرة والاستغفار له، فضلا عن أمره تعالى للمؤمنين بالإكثار من الصلاة والسلام عليه، أي الدعاء له تعظيما لشأنه…

      إذ خلافا لما يتم الترويج له من قبل بعض “مشايخ المسلمين” من كون الاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف يعد بدعة، وأن “كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار”، بدعوى أنه لم يثبت عن النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ولا الخلفاء الراشدين المهديين القول بذلك، كما أنهم لم يقوموا أبدا بما يسمونه ذكرى أو عيد المولد النبوي، وأنه حفاظا على السنة الشريفة والعمل بالكتاب الكريم لا يجوز للمسلمين الحديث عن أمور غير واردة لا في الكتاب ولا في السنة، كما لا ينبغي إشاعة البدع بين الناس أو العمل بها.

      فإن هناك من العلماء المسلمين الكبار من يؤكد بأنه صلى الله عليه وسلم كان يحتفل بذكرى مولده الشريف بالصيام يوم الإثنين، إذ أنه ظل مواظبا على صومه كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم، وهو ما يفهم منه أنه كان مستمرا في الاحتفال بتلك الذكرى العطرة. ويرون أنه لا حرج على من أراد إحياء هذه الذكرى يوم الإثنين كل أسبوع على مدار السنة، أو من أراد الاقتصار فقط على صيام الثاني عشر من ربيع الأول من كل عام الذي يصادف ذكرى المولد النبوي الشريف.

      وعلى هذا الأساس يمنح المغاربة كغيرهم من الشعوب العربية والإسلامية، ذكرى المولد النبوي الشريف رمزية خاصة منذ عدة قرون، ويحرصون أشد الحرص على الاحتفال بها كل عام، إذ أن معظم الأسر المغربية والزوايا والمساجد بمختلف جهات المملكة تشرع ابتداء من فاتح شهر ربيع الأول من كل سنة في ترقب حلول اليوم الثاني عشر منه بقصد الاحتفاء بهذه الذكرى الغالية على قلوبهم، ويعتبرونها فرصة مواتية لترسيخ القيم الإسلامية وتعزيز التماسك الاجتماعي، وأحد أبرز الأحداث الدينية والثقافية والاجتماعية الهامة، حيث تتنوع مظاهر الاحتفالات في جميع المدن المغربية بين تنظيم الندوات الدينية وترتيل القرآن وتكريم حفظته، وإقامة المواكب الاحتفالية على غرار “موكب الشموع” بمدينة سلا.

      فبالنسبة للمغرب ليست عادة إحياء ذكرى المولد النبوي الشريف وليدة اليوم أو الأمس قبله، بل تعود بداياتها إلى منتصف القرن السابع للهجرة، وعرفت ازدهارا في العهدين المريني ثم الوطاسي من بعده. وكان الملوك أنفسهم يرأسون حفلات المولد النبوي ليلة حلول الذكرى. ويشار في هذا الصدد إلى أن أول من دعا إلى إحياء ليلة المولد المباركة، هو أبو العباس العزفي السبتي الذي ألف كتابا يوضح من خلاله أهمية الاحتفال بعنوان “الدر المنظم في مولد النبي المعظم”، وقد وافته المنية سنة 633 هجرية. ثم لم تلبث الذكرى أن تحولت في سنة 691 هجرية إلى عيد رسمي على عهد المرينيين، بعد أن أمر السلطان يوسف بن يعقوب بن عبد الحق المريني بإقامة احتفالات رسمية تليق بمكانة النبي الكريم وتعظم قدره، لتتواصل هذه الاحتفالات في عهد الملوك العلويين بشكل أفضل، حيث يقوم ملك البلاد وأمير المؤمنين بإحياء ليلة المولد في أجواء من البهجة وترديد المدائح النبوية الرائعة، بحضور العلماء وكبار الشخصيات الوطنية…

      إن إحياء هذه الذكرى في المغرب يتم بصفة متشابهة بين كافة المناطق مع الحفاظ على خصوصياتها، حيث تنطلق الاحتفالات والطقوس التي اعتاد عليها المغاربة منذ فاتح شهر ربيع الأول إلى غاية يوم الثاني عشر منه، وتتحول عدة مساجد بعد صلاة المغرب إلى مدارس لإعطاء دروس خاصة في السيرة النبوية وسير الصحابة وفضائل الرسول الكريم على المسلمين، ترافقها بعض الأمداح النبوية والتواشيح الدينية، وتختتم في ليلة العيد أو الذكرى بحفل بهيج في المسجد الأعظم بكل مدينة برعاية ممثلي السلطة والمنتخبين ورجال الدين الأجلاء، لأن هذه الاحتفالات السنوية تعتبر من بين أفضل الأعمال في تكريم وتعداد صفات سيد الخلق وخاتم الأنبياء والمرسلين عليه أفضل الصلوات…

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى