في الواجهةكتاب السفير

سلسلة: لغز جريدة “لوموند”

سلسلة: لغز جريدة "لوموند"

le patrice

السفير 24 – نورالدين زاوش

الحلقة الأولى: “لوموند” على خُطى جماعة العدل والإحسان

حينما اعتلى جلالة الملك محمد السادس العرش سنة 1999م، قام السيد “فتح الله أرسلان”، عضو مجلس الإرشاد، والناطق الرسمي لجماعة العدل والإحسان يومها، بزيارة تنظيمية لمدينة وجدة، أخبر فيها أعضاء الجماعة في لقاء داخلي بأن محمد السادس لا يحكم، وبأن أيامه باتت معدودة على رؤوس الأصابع؛ سبع سنوات بعد هذا الحمق والهبل، صرح عبد السلام ياسين بأن سنة 2006م ستكون نهاية المُلك الجبري، وانطلاق شرارة الخلافة على منهاج النبوة كما “وعد” بذلك المصطفى عليه الصلاة والسلام، كما جاء في حديث نبوي شريف ذكره أحمد في مسنده.

يومها، كان أعضاء الجماعة يرون زوال الملكية رأي العين، حتى أن “محمد العبادي”، الأمين العام الحالي للجماعة، أقسم، بأغلظ الإيمان، بأنه سينزل إلى الأسواق ليبيع “النعناع” إذا لم تتحقق النبوءة؛ وكيف لا تتحقق، في رأيه، وجمْعٌ غفير من الصادقين المنتسبين إلى الجماعة والصادقات، شاهدوا في المنام، وبعضهم في اليقظة، رؤى متواترة تبشر ببزوغ فجر الخلافة الموعودة، وأكثر من ذلك، التجليات الصادقة للشيخ الإمام المجدد “عبد السلام ياسين”، غوث الزمان وقطب العارفين، من يُكشف له الحجاب عن الأسرار الربانية، وتُطوى له الأمكنة، وتُختصر الأزمنة، ويرى بنورٍ من الله، وقد كتب نفسُه في كتاب “الإسلام بين الدعوة والدولة” سنة 1971م بأن الكشف نوعان؛ أدناهما أن يعلم الشيخ ما يقعُ في شهر كذا وسنة كذا، وكتب أيضا، أنه رأى الملائكة الكرام وهو ما زال مريدا بين يد الشيخ “عباس”، فكيف وهو شيخ عارف بالله، يُؤخد عنه الطريق، وتُشد له الرحال؟

لقد مضى على هذا الهذيان ست وعشرون سنة؛ ويأبى التاريخ إلا أن يعيد نفسه، وهذه المرة عن طريق جريدة “لوموند” الفرنسية التي بشرتنا، بشرها الله، بسلسلة من ست حلقات تحت عنوان: “لغز محمد السادس”، وهي سلسلة أبعد ما تكون عن مقالات التحقيق الصحافي الجاد والموضوعي؛ حيث جاءت هذه المقالات مُفْعَمة بالأباطيل والأكاذيب، ومليئة بأساليب الدراما والتشويق، ولا أدل على ذلك من جعل الحلقة الأولى تحت عنوان: “ملامح نهاية حكم”، وهي حلقة أشبه ما تكون بخزعبلات جماعة العدل والإحسان، حيث لم يتم فقط الاستغراق بشكل مبالغ فيه في تحليل صورة جلالة الملك وهو يصلي على كرسي؛ بل تعدى ذلك إلى استنتاج عدم قدرته على الحكم، وكأننا مازلنا في القرن السابع أو الثامن الميلادي، حيث يحتاج الملك إلى حمل السيف، وارتداء الدرع، وامتطاء الفرس، من أجل خوض الحروب بنفسه.

باعتلاء جلالة الملك العرش، أول ما بادر به القطع مع أساليب الماضي، وعلى رأسها عدم التكتم على الحالة الصحية للملك؛ حيث كانت في عهد الحسن الثاني حصنا حصينا لا يمكن اختراقه، وسرا عميقا لا يمكن لأحد الوصول إليه، حتى عاد الديوان الملكي في العهد الجديد، لا ينتظر مقالات “لوموند” لتنوير الشعب؛ بل يصدر بيانات يخبره فيها بالحالة الصحية الدقيقة للملك دونما تردد أو تأخير؛ ولم يكن هذا التفاعل يوما مصدر قلق للقصر، أو مصدر تشكيك لدى الشعب.

إن الاعتماد على صورة الملك وهو يصلي على كرسي، والتي شاهدها المغاربة قاطبة، لا يمكن لعاقل أن يدِّعي بأنها محور تحقيقات صحافية مثيرة، وأنه يُرجى منها خلاصات ذات قيمة وقدر؛ فعلى قدر نُدرة الأدوات والوسائل، تكون نُدرة الخلاصات والاستنتاجات؛ هذا ما يفضح طبيعة التحامل الذي اتسمت به هذه السلسلة التي تتقاسم مع جماعة العدل والإحسان المنهج ذاته، مع فارق بسيط؛ هو أن الثانية تعتمد على مشاهدات الخاصة، وخاصة الخاصة؛ أما الأولى فتعتمد على مشاهدات الجميع بلا استثناء؛ وفي كلتا الحالتين، خلاصات أشبه بالخيال العلمي منها إلى شيء آخر، وأقرب إلى الآمال والمتمنيات منها إلى الحقيقة والواقع.
إن النأي عن موضوع الإنجازات العظيمة التي تمت في عهد جلالة الملك محمد السادس، لأكثر من عقدين ونصف، واستبدالها بصورة عابرة قد تطال أي شخص، في لحظة من اللحظات، مهما كانت قوته الجسمانية ولياقته البدنية، يضع الجريدة في مأزق لا تحسد عليه، كما ينزع عنها رداء المصداقية والموضوعية، وهما رأس مال أي صحيفة تحترم قراءها.

يتبع..

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى