في الواجهةمجتمع

كلية الآداب بالرباط.. نحو خوصصة مقنّعة للتعليم الجامعي العمومي؟

كلية الآداب بالرباط.. نحو خوصصة مقنّعة للتعليم الجامعي العمومي؟

السفير 24

في خضم الجدل الوطني حول مستقبل التعليم العالي بالمغرب، عادت إلى الواجهة قضية مجانية الجامعة العمومية مع استمرار كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط في تفعيل مشروع التدريس بالتوقيت الميسر، وهو نظام تعليمي اعتمدته الجامعة منذ أكثر من أربع سنوات وكانت الوحيدة على الصعيد الوطني التي طبقته سابقًا. يقوم هذا النظام على الجمع بين الدروس النظامية المجانية ومسالك مدفوعة ضمن إطار التكوين المستمر.

وإذا كان الهدف المعلن من المشروع هو تحسين جودة التكوين وتنويع مصادر التمويل في ظل الضغوط المتزايدة على ميزانية الدولة، فإن العديد من الفاعلين الجامعيين يرون فيه مقدمة لخوصصة مقنّعة من شأنها أن تضرب في العمق أحد أهم المكتسبات الاجتماعية منذ الاستقلال، وهو مبدأ مجانية التعليم العالي.

فكرة “التوقيت الميسر” ليست جديدة تمامًا، فقد طُرحت سابقًا وقوبلت برفض واسع من النقابات والأساتذة الباحثين الذين اعتبروا أنها تمثل غلافًا قانونيًا لإدخال منطق السوق إلى الجامعة العمومية. غير أن استمرار تطبيق هذا النظام، وبمسارات واضحة المعالم من حيث رسوم التسجيل التي تصل، وفق وثائق متداولة، إلى ما بين ستة آلاف درهم في سلك الإجازة وسبعة عشر ألفًا وخمسمائة درهم في سلك الماستر، أثار موجة جديدة من التوتر بين مكونات الجامعة. ويخشى الأساتذة والطلبة على حد سواء أن تتحول الجامعة إلى مؤسسة هجينة، نصفها مجاني ونصفها مدفوع، بما يفقدها هويتها العمومية ويجعلها أقرب إلى مؤسسات خاصة خاضعة لمنطق العرض والطلب.

ما يعزز هذه المخاوف هو غياب موقف حازم من النقابات الأكثر تمثيلًا في قطاع التعليم العالي، والتي ظلت لعقود حامية لخط الدفاع الأول عن مجانية الجامعة. فباستثناء بعض التصريحات العامة حول ضرورة تحسين ظروف الأساتذة وزيادة التعويضات، لا يبدو أن هناك إرادة تنظيمية واضحة لمواجهة هذه السياسات الجديدة، وهو ما يفسره البعض إما بالضغط السياسي، أو بما يمكن وصفه بتراجع الدور التاريخي للعمل النقابي في الجامعة المغربية.

أما الإدارة، فتدافع عن المشروع باعتباره حلًا واقعيًا أمام الاكتظاظ الكبير الذي تعرفه كلية الآداب، حيث يتجاوز عدد الطلبة المسجلين الآلاف، في مقابل موارد بشرية ومالية محدودة جدًا، لكن هذا التبرير لا يقنع المنتقدين الذين يعتبرون أن الدولة، بدلًا من الوفاء بالتزاماتها في تمويل التعليم العمومي، تدفع بالجامعة نحو الاعتماد على التمويل الذاتي بما يحوّلها إلى مؤسسة سوقية.

التداعيات المحتملة لهذه السياسة قد تكون عميقة، إذ أن إدخال رسوم مرتفعة من شأنه أن يفتح الباب أمام تمييز اجتماعي صارخ، بحيث يصبح ولوج التعليم الجامعي رهنًا بالقدرة المالية بدل الكفاءة الأكاديمية. وهو ما قد ينتج طبقتين واضحتين: نخبة قادرة على دفع الرسوم وتستفيد من خدمات إضافية ومسارات متميزة، وأغلبية واسعة من الطلبة المنحدرين من أسر متوسطة أو فقيرة قد يجدون أنفسهم مقصيين أو عاجزين عن مواصلة دراستهم العليا. بذلك يتعرض مبدأ تكافؤ الفرص، الذي شكل حجر الزاوية في الفلسفة التأسيسية للجامعة العمومية المغربية، إلى تهديد مباشر.

إن ما يحدث اليوم في كلية الآداب بالرباط لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد تعديل إداري في طرق التدريس أو محاولة تقنية لتنظيم الزمن الجامعي، بل هو جزء من توجه أكبر ينسجم مع سياسات الدولة الرامية إلى تخفيف عبء الإنفاق الاجتماعي وتحويل قطاعات حيوية، مثل التعليم والصحة، نحو التمويل الذاتي. وإذا لم يتم فتح نقاش وطني مسؤول يوازن بين الحاجة إلى إصلاح المنظومة الجامعية من جهة، وضمان الحق الدستوري في الولوج إلى التعليم العالي من جهة أخرى، فإن الجامعة المغربية قد تجد نفسها في أفق سنوات قليلة وقد فقدت وظيفتها العمومية وأصبحت فضاءً نخبويا لا يلجه إلا من يملك القدرة على دفع كلفته.

من هنا، يظل السؤال المطروح بإلحاح: هل لا تزال مجانية التعليم العالي في المغرب خيارًا استراتيجيًا للدولة، أم أنها دخلت مرحلة الأفول تحت ضغط السياسات النيوليبرالية؟ الجواب عن هذا السؤال لن يحدده فقط ما سيجري في كلية الآداب بجامعة محمد الخامس، بل أيضًا مدى قدرة المجتمع المدني والنقابات والفاعلين الأكاديميين على الدفاع عن التعليم كحق أساسي لا كسلعة تُعرض للبيع.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى