
السفير 24
في زمن باتت فيه الكلمة تُطلق على عواهنها دون ضوابط أخلاقية أو قانونية، ظهرت مجددًا بعض الأصوات النشاز التي لا تجد ضالتها إلا في زرع الشك وضرب الثقة في المؤسسات، محاولين الاصطياد في الماء العكر عبر نشر أكاذيب موجهة ومضللة حول الوضع الأمني بمدينة برشيد، وخصوصًا تجاه أفراد جهاز الشرطة الشرفاء، الذين يؤدون مهامهم في صمت وتفانٍ، وأحيانًا في ظروف بالغة القساوة والتعقيد.
فمن يروج اليوم لفكرة أن “الأمن غائب” أو أن “الأجهزة الأمنية فاشلة”، مطالب بأن يأتي بالدليل والبرهان إن كان صادقًا، لا أن يكتفي بالكلام المرسل المدفوع، والمغرض، والفاقد لأي مرجعية مهنية أو واقعية. ذلك أن أي نقاش يُفترض أن يُبنى على الوقائع والمعطيات، لا على النوايا السيئة والتأويلات الرخيصة التي باتت بضاعة رائجة عند بعض من يعانون من عطالة فكرية وعقد شخصية، بل وحتى من عقد ضد كل ما هو مؤسساتي ومنظم.
وإذا كان من الطبيعي أن تواجه المؤسسة الأمنية كغيرها من مؤسسات الدولة بعض التحديات الميدانية في مواجهة ظواهر مثل الاتجار في المخدرات أو الجريمة المنظمة، فإن الأكيد أن هناك رجالًا ونساءً في سلك الشرطة لا يدخرون جهدًا في تأمين الأحياء، وتوفير الحماية للمواطنين، حتى وإن كان ذلك على حساب راحتهم الشخصية أو استقرارهم الأسري. فهل جزاء هؤلاء هو الطعن في شرفهم المهني، واتهامهم بما ليس فيهم، لمجرد أن “صوتًا مجهولًا” أو صفحة فايسبوكية قررت لعب دور النيابة العامة بدون موجب قانون؟
ومن المؤسف أن البعض ما زال يروّج لنظرية “الثلاثي الفاسد” داخل جهاز الشرطة بمدينة برشيد، دون تقديم معطى قانوني واحد يدعم هذا الادعاء، وكأن الاتهامات باتت تُطلق بمزاج فردي بعيدًا عن سلطة القانون، أو كأننا نعيش في زمن محاكم التفتيش وليس في دولة قانون ومؤسسات. وفي الوقت الذي يحقق فيه رجال الشرطة في المدينة إنجازات ميدانية في التصدي لمظاهر الجريمة والانحراف، يبادر البعض دون وجه حق إلى مهاجمة المؤسسة وتلطيخ سمعة أفرادها الشرفاء، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه، ويستوجب مساءلة قانونية وردعًا للادعاءات الباطلة.
إن ما يُروج له بعض الأشخاص لا يعكس فقط نية مبيتة في الإساءة، بل يكشف أيضًا عن مستوى ثقافي وتعليمي متدنٍ، يقتضي من أصحابه العودة إلى مقاعد الدراسة بدل التطاول على مؤسسات دستورية تسهر على أمن الوطن والمواطنين. فحين يتجرأ شخص، دون مؤهلات أو دراية قانونية، على تقييم أداء جهاز أمني كامل دون تقديم معطيات ملموسة أو وثائق رسمية، فإننا أمام حالة من العبث يجب أن تواجه بالحزم اللازم، عبر تحريك مسطرة المتابعة القضائية في حق كل من يُسيء إلى سمعة مؤسسة أمنية تشتغل وفق القانون وتحت إشراف النيابة العامة المختصة.
إن حرية التعبير، كما يكفلها الدستور المغربي، لا تعني القذف أو التشهير أو تضليل الرأي العام. فالقانون الجنائي المغربي يجرّم في عدة فصوله هذه الأفعال، ويعتبرها مهددة للنظام العام والسلم المجتمعي. ولذلك، فإن من يقف وراء هذه الحملة المغرضة، التي تستهدف نساء ورجال الشرطة في برشيد، يجب أن يُعرض على القضاء لكشف خلفياته ومصادر تمويله، خاصة وأن ملامح هؤلاء بدأت تتضح للرأي العام المحلي والوطني على حد سواء.
في المقابل، لا بد من التنويه بالجهود اليومية التي يبذلها عناصر الأمن الوطني في برشيد، سواء من خلال التواجد اليومي في الشوارع والأحياء، أو من خلال العمليات النوعية التي تسفر عن توقيف مروجي المخدرات، ومرتكبي الجرائم، والمبحوث عنهم. هؤلاء الجنود المجهولون لا يحتاجون إلى التصفيق، بقدر ما يحتاجون إلى الاحترام، والتقدير، والدفاع عنهم حين يتعرضون للظلم والافتراء.
هذا، وتبقى المؤسسة الأمنية في المغرب ركيزة من ركائز الاستقرار، وأي محاولة لضرب مصداقيتها أو التشويش على عملها، تُعد طعنًا في أمن المجتمع بأكمله. وإذا كان البعض يعتقد أن الافتراء على الشرفاء يمكن أن يمر دون محاسبة، فإن القانون كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها، والعدالة لا تنام.



