في الواجهةكتاب السفير

الزواج الأبيض”: كيف تراقب السلطات “بيت الزوجية” في فرنسا وبلجيكا؟

الزواج الأبيض": كيف تراقب السلطات "بيت الزوجية" في فرنسا وبلجيكا؟

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

في مشهد يعكس أولوية حكومية جديدة، أصدر وزير العدل الفرنسي، جيرالد دارمانين، في 18 غشت 2025، منشورا موجها إلى جميع النيابات العامة في البلاد، دعاهم فيه إلى تكثيف الملاحقات القضائية لمكافحة ظاهرة “الزواج الأبيض” الذي يستهدف في الغالب تسوية الوضع القانوني للأجانب. المنشور، الذي تسرب إلى وسائل الإعلام، شدد على ضرورة اليقظة الشديدة وإيلاء اهتمام خاص للبلاغات الصادرة عن رؤساء البلديات وموظفي الحالة المدنية، كلما ثارت الشكوك حول “حقيقة النية الزوجية” بين الطرفين.
أرقام تكشف الوجه الخفي للظاهرة
الأرقام الرسمية تجعل من الموضوع ملفا حساسا. فبحسب المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية (INSEE)، ارتفعت نسبة الزواج المختلط في فرنسا من 6٪ فقط في خمسينيات القرن الماضي إلى 15.3٪ عام 2019، أي ما يقارب 37 ألف حالة من أصل 247 ألف زواج سنة 2024. لكن، وسط هذه الأرقام “الطبيعية”، يتسلل الزواج الأبيض كاستثناء جنائي، إذ يعرفه القانون الفرنسي بأنه زواج صوري بلا نية حقيقية لتأسيس أسرة، بل لأهداف إدارية بحتة. ويعاقب مرتكبوه بالسجن حتى 5 سنوات وغرامة قد تصل إلى 15 ألف أورو.
التوزيع الجنسياتي بدوره يثير النقاش: فالجاليات من دول شمال افريقيا تحتل الصدارة في الزيجات المختلطة؛ حيث سجلت6000 حالة للجزائريين، تليها 4000 للمغاربة و3000 للتونسيين سنة 2015. أرقام تظهر ديناميكية اجتماعية، لكنها في الوقت نفسه تزيد من تعقيد مهمة السلطات في التفريق بين الزواج الحقيقي والزواج الأبيض.
بلجيكا.. “خلية شرطة” لمطاردة الزواج الأبيض
على الجانب الآخر، اعتمدت بلجيكا آلية مختلفة وأكثر تخصصا. فقد أنشأت خلية مكافحة الزواج الأبيض في منطقة ميدي–بروكسل، تضم محققين وخبراء مهمتهم تحليل الوثائق، معالجة البلاغات الصادرة عن البلديات، والتنسيق مع قواعد البيانات الأوروبية.
الإجراءات ليست شكلية فقط؛ ففي عام 2012 وحده، فتح مكتب النيابة العامة في بروكسل 1545 تحقيقا في قضايا مشبوهة، أُغلق منها 465، بينما بقيت أكثر من ألف قيد المعالجة. وفي التسعة أشهر الأولى من 2019، رفضت دوائر الحالة المدنية 186 زواجا بسبب الاشتباه في كونه زواجا أبيض، بينها 56 حالة في بروكسل وحدها.
الأرقام تكشف أيضا عن تغير في الاتجاه: فقد تم تسجيل انخفاض بنسبة 25٪ في هذه الزيجات خلال فترة عام واحد، حيث منعت السلطات حوالي 7300 حالة مقارنة بأكثر من 9000 حالة في 2012. ورغم ذلك، فإن المدعين العامين يرفعون سنويا ما يقارب 100 طلب إلغاء لزيجات من هذا النوع، في مؤشر على حجم الظاهرة واستمراريتها.
القانون البلجيكي بدوره صارم: فهو يعاقب على الزواج الأبيض بالسجن حتى 3 سنوات، وغرامات قد تصل إلى 3000 يورو، مع إمكانية إلغاء الزواج وإصدار قرار بطرد الأجنبي المعني.
فرنسا.. تشديد الرقابة البلدية والقضائية
في فرنسا، لا يقتصر الأمر على العقوبات، بل يطال أيضا منظومة الرقابة. رؤساء البلديات يعتبرون “خط الدفاع الأول” ضد هذه الممارسات، إذ يحق لهم رفض الزواج عند الاشتباه وإبلاغ النيابة العامة. منشور وزير العدل الأخير جاء ليعزز هذا الدور ويمنح البلديات دعما قضائيا أكبر، بهدف بناء سياسة جزائية موحدة تمنع إفلات المتورطين من العقاب.
قضية “روبرت مينار” (يمين متطرف)، عمدة بيزييه، تظل مثالا صارخا على الإشكاليات الميدانية؛ ففي 2023، رفض تزويج رجل أجنبي كان خاضعا لأمر بمغادرة الأراضي الفرنسية، بدعوى أن الزواج يهدف إلى الالتفاف على القانون. الحادثة فجرت جدلا سياسيا وقانونيا حول حدود صلاحيات البلديات، وأبرزت الحاجة إلى تنسيق أقوى بين السلطات المحلية والقضائية، وهو ما يسعى منشور دارمانين إلى تكريسه.
عندما يتدخل القانون في قصة حب
في بلجيكا عام 2019، تفجرت قضية أثارت جدلا واسعا بعد أن رفضت بلدية “سان جوس” ببروكسل زواج شابة بلجيكية من مهاجر مغربي بدعوى أنه “زواج أبيض”. العروس، ماري، البالغة من العمر 27 عاما، أكدت أنها تعرفت على خطيبها عبر أصدقاء مشتركين وأن العلاقة بينهما “حقيقية وصادقة”. لكن التحقيقات الرسمية استندت إلى غياب دلائل قوية على حياتهما المشتركة، فتم إلغاء الزواج. ماري صرحت للصحافة البلجيكية قائلة: “أشعر أن الدولة سرقت حقي في الزواج بمن أحب”، لتصبح قصتها رمزا للنقاش حول صعوبة التمييز بين الزواج الصوري والزواج القائم على العاطفة.
بين الحب والمساعدة.. محكمة فرنسية تلغي زواجا مثيرا للجدل
في فرنسا سنة 2021، أصدرت محكمة “ليل” حكما مثيرا بعد اكتشاف أن رجلا من أصول إفريقية عقد قرانه على فرنسية تكبره بـ25 عاما. التحقيقات كشفت أن الزوج كان يقيم بشكل غير نظامي، وأن اللقاء الأول بينهما لم يدم سوى أسبوعين قبل الزواج. المحكمة خلصت إلى أن النية الزوجية غير متوفرة، وألغت الزواج مع الحكم بالسجن مع وقف التنفيذ. الزوجة الفرنسية قالت في شهادتها: “قد يكون الناس مقتنعين أنني مجرد وسيلة، لكن بالنسبة لي كنت أحاول منحه فرصة حياة جديدة”. القضية ألقت الضوء على الجانب الإنساني المعقد، حيث تختلط الرغبة في المساعدة مع استغلال القانون لأهداف إدارية.
الحب تحت مجهر القانون
بين فرنسا وبلجيكا، يختلف الأسلوب لكن الهدف واحد: التصدي لزواج المصلحة الذي يختبئ خلف مشاعر مزعومة. الأرقام تؤكد أن الزواج الأبيض ليس ظاهرة عابرة، بل ممارسة قائمة تهدد مصداقية النظام القانوني وتضعف الثقة في مؤسسة الزواج. لكن في المقابل، لا تخلو الإجراءات الصارمة من انتقادات؛ فمنظمات حقوقية ترى أن التضييق قد يمس أحيانا بحقوق أزواج حقيقيين يشتبه فيهم ظلما.
التحقيقات، الأرقام، والملفات القضائية تكشف أن “الزواج الأبيض” لم يعد مجرد حيلة فردية للهجرة، بل ملف اجتماعي–قانوني معقد يضع السلطات أمام معادلة صعبة: كيف تميز بين زواج حب حقيقي وزواج مصلحة صوري، دون ظلم أو تعسف؟

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى