في الواجهةكتاب السفير

الاحتيال العاطفي في زواج “تيك توك”.. من قوالب السكر إلى “المهر الرقمي” والخوارزميات

الاحتيال العاطفي في زواج "تيك توك".. من قوالب السكر إلى "المهر الرقمي" والخوارزميات

le patrice

السفير 24 – جمال اشبابي – باريس

مع انتشار الشاشات لتصبح نافذتنا الكبرى على العالم، لم ينج حتى الحب والزواج من قبضة الخوارزميات. من منصة صممت للترفيه، تحول “تيك توك” إلى سوق افتراضي تعرض فيه العواطف كسلعة، ويسوق فيه الوهم على أنه حب حقيقي. بين مقاطع تروج للخوف من الزواج، و”خاطبات” افتراضيات يجمعن التبرعات، وقصص احتيال عابرة للحدود، وجد جيل كامل نفسه حائرا: هل ما زال الزواج مؤسسة حقيقية أم مجرد عرض رقمي؟

خوارزميات تزرع الخوف وتغذي العزوف عن الزواج

لم يعد الزواج يحظى بالجاذبية التي كان عليها قبل عقد من الزمن. فقد أظهرت بيانات منظمة الأمم المتحدة أن نسبة الشباب المتزوجين انخفضت من 42.6% سنة 2015 إلى نسبة أقل بكثير في عام 2024. وعلى “تيك توك”، يتصدر وسم MarryIsScary الذي يعني “الزواج مخيف”، حيث كشف تحليل لمحتوى هذا الوسم أن 68% من المقاطع تصف الزواج بشكل سلبي، بينما دعمت 60% من التعليقات هذا الاتجاه، وفقا لدراسة تحليل محتوى أجرتها مراكز أبحاث مستقلة عام 2023.

أما مركز الأبحاث الأميركي بيو ريسيرش فقد أشار في أحدث تقاريره إلى أن نصف أفراد جيل Z – أي الفئة المولودة بين منتصف التسعينيات وبداية العقد الثاني من الألفية، والتي تراوح أعمارها اليوم بين 15 و30 سنة – يفضلون تأجيل الزواج إلى حين تحقيق الاستقرار المالي، ما يعكس تحولا عميقا في النظرة إلى الارتباط باعتباره مشروعا اقتصاديا أكثر منه مؤسسة اجتماعية.

من قوالب السكر إلى “المهر الرقمي”

طقوس التعارف والخطوبة تحولت بدورها إلى نسخة رقمية مبتذلة. لم تعد الصدفة تقود إلى لقاء الشريك، بل خوارزميات “صفحة لك”، وهي الصفحة الرئيسية المخصصة لكل مستخدم على تيك توك. تعمل هذه الصفحة كـ”خاطبة رقمية” ذكية، حيث تقوم خوارزميات تيك توك باقتراح مقاطع فيديو لأشخاص أو محتوى يتعلق بالعلاقات مباشرة للمستخدم، بناء على ما يشاهده ويتفاعل معه. وهكذا، لم تعد الصدفة تقود إلى لقاء الشريك، بل خوارزميات هذه “الصفحة” هي من تتولى المهمة.. وبدلا من الورد والحناء، صارت “الخطوبات” بثوثا مباشرة أو محتوى استعراضيا هدفه المشاهدات والإعجابات.

وقد رصدت شركة تيك توك أناليتكس أن المقاطع الساخرة من ظاهرة “pickme-girl”، أي الفتاة التي تتباهى بالزواج، حققت أكثر من 2 مليار مشاهدة بين 2021 و2024. ورغم أن هذه المشاهدات تكشف عن وعي عام بسطحية الظاهرة، إلا أن السلوكيات الاستعراضية ظلت متجذرة، بل وأسست لثقافة “التوقعات غير الواقعية” من الشريك.

“الخاطبة الرقمية” وبارونات الأعمال الخيرية

إلى جانب قصص الحب الافتراضية، برزت فئة جديدة من “الخاطبات” على تيك توك، لسن فقط وسيطات بين القلوب، بل أيضا جامعـات للتبرعات. منهم رجال، يستغلون قصصا مؤثرة أو مقاطع عن حيوانات وأطفال محتاجين لدغدغة المشاعر، كفاصل وسط زحمة بثوث طلبات الزواج، لجمع أكبر قدر من التبرعات، بينما يذهب جزء كبير من الأموال إلى المنصة نفسها، إذ تشير تقارير صادرة عن فاينانشال تايمز إلى أن تيك توك يقتطع ما بين 50 و70% من قيمة الهدايا الرقمية.

وقد كشفت وسائل إعلام أميركية عن حالة صادمة من ولاية ألاباما، حيث اتهمت مؤثرة على تيك توك بالاستيلاء على أكثر من مليون دولار من المتبرعين عبر جمعية خيرية وهمية أنشأتها على المنصة.

احتيال بمليارات… نزيف عالمي

الأمر لا يقتصر على الخداع الخيري، بل يتجاوزه إلى الاحتيال العاطفي. فقد أعلنت لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية، وهي الهيئة الرسمية المكلفة بحماية المستهلكين في الولايات المتحدة، أن عام 2021 شهد إبلاغ 24 ألف شخص عن خسائر مالية تجاوزت مليار دولار نتيجة الاحتيال العاطفي والرومنسي. وفي 2022، ارتفع العدد إلى 70 ألف ضحية، بينما خسر كبار السن وحدهم ما يقارب 240 مليون دولار.

وتوضح اللجنة أن 60% من المدفوعات تمت عبر العملات المشفرة والتحويلات البنكية، ما يؤكد أن المحتالين باتوا يستغلون التكنولوجيا المالية الحديثة لتضليل ضحاياهم.

“الحب المهاجر”: الزواج كتذكرة عبور

الظاهرة لا تتوقف عند حدود العاطفة، بل تتجاوزها إلى الهجرة والاقتصاد. في المغرب، يتداول الشباب على تيك توك فكرة الزواج من أشخاص يحملون الجنسية الأوروبية خصوصا، كوسيلة للحصول على الإقامة. هذه الممارسة، المعروفة باسم “زواج المصلحة”، لم تعد خفية بل تناقش علنا على المنصة.

وفي هذا السياق، أشارت وزارة الهجرة النرويجية في تقريرها لسنة 2009 إلى أنها رفضت أكثر من 200 طلب تجمع عائلي بسبب الاشتباه في زيجات صورية، وكان المغاربة يمثلون 12% من الحالات المرفوضة. أما في بلجيكا، فأظهرت إحصاءات حكومية أن نسبة الزيجات العابرة للحدود بين المغاربة والأتراك انخفضت من 50% سنة 2005 إلى ما بين 15 و30% سنة 2015.

وقد أوردت تقارير أمنية أوروبية أن بعض هذه الزيجات تستغل في ما يسمى بـ”الاحتيالات الرومانسية المغربية”، حيث يختلق بعض الرجال قصص حب لإقناع شريكات أوروبيات، بينما يخفون زيجات سابقة أو علاقات قائمة، وأحيانا يشركون أسرهم لتعزيز المصداقية.

الحب المستعار في صحراء رقمية

من الخوف من الزواج، إلى “المهر الرقمي”، إلى الاحتيال العاطفي وزيجات المصلحة العابرة للحدود… يعيد تيك توك صياغة أقدس علاقة إنسانية في قالب هش، حيث الأصالة مجرد فلتر، والالتزام مجرد عرض، والحب أحيانا مجرد تذكرة سفر.

النتيجة هي جيل مرتبك، منهك عاطفيا، وفاقد الثقة في الارتباط الحقيقي. وبين وهم الشاشة وواقع الحياة، يبقى السؤال مفتوحا: هل يستطيع الحب النجاة من براثن الخوارزميات، أم سنعيش زمنا يذوب فيه الزواج مثل “قالب سكر” في صحراء رقمية بلا نهاية؟

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى