في الواجهة

المغاربة في فرنسا وبلجيكا: حكاية ولاء للوطن لا يشيخ

المغاربة في فرنسا وبلجيكا: حكاية ولاء للوطن لا يشيخ

REGION CASA SETTAT

السفير 24 – جمال اشبابي — باريس

بين روائح الشواء والشاي بالنعناع في ضواحي باريس كما في بروكسل وهمسات الحنين للوطن، نسج المغاربة في فرنسا وبلجيكا هويتهم الخاصة، عبورا بين الطاجين والميترو، بين الكسكس وبرج إيفل، بين القفطان المغربي الأصيل ومتاجر الماركات العالمية، بين وجدة والدار البيضاء وسوس وباريس، وبين الريف الشامخ وبروكسل. حضور مغربي لا تخطئه العين
في شوارع Asnières-Gennevilliers بالضاحية الباريسية، كما في أزقة Molenbeek ببروكسل، يصعب أن تخطئ علامات الحضور المغربي. من ملصقات “طاجين بلحم البرقوق” وبازارات ومحلات ملابس مغربية تقليدية، إلى أعلام المغرب على نوافذ العمارات، ومن المقاهي التي تعج بأحاديث باللهجة البيضاوية والريفية والأمازيغية وغيرها إلى المساجد التي تنبعث منها تلاوات القرٱن بالطريقة المغربية صرفة، هنا، المغرب لا يغيب، بل يطل يوميا، بكل حب وصخب وولاء.
“حنا هنا، ولكن قلبنا تماك…”، تقول زهرة، ستينية مهاجرة منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهي تهم بشراء قنينة زيت أركان من متجر مغاربي في “سان دوني”.
مغاربة فرنسا وبلجيكا ليسوا مجرد جالية مهاجرة… إنهم هوية تمشي على رصيف الدول المضيفة وتحمل الوطن في الجيب والقلب، تعيد تعريف ما يعنيه أن تكون مهاجرا دون أن تنسى الوطن دقيقة واحدة.
وفق إحصائيات المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية بفرنسا لسنة 2025، يبلغ عدد المغاربة المولودين في المغرب والمقيمين بفرنسا قرابة 853,300 شخص. وعند احتساب الأجيال اللاحقة، تتجاوز الأرقام 1.5 مليون نسمة.
أكثر ما يلفت في هذه الجالية، ليس فقط عددها، بل قوة حضورها في الفضاء العام، سواء من خلال الاقتصاد الصغير أو المطاعم أو الحياة الثقافية.
تتمركز الجالية بكثافة في ضواحي باريس، وخاصة Seine-Saint-Denis، Val-d’Oise، Hauts-de-Seine (92)، حيث تحولت بعض الأحياء إلى فسيفساء مغربية بامتياز، تصفها الصحافة الفرنسية أحيانا بـ”مدن داخل المدينة”.
في السياق البلجيكي، يأتي المغاربة الصدارة كأول جالية من حيث العدد من خارج دول الاتحاد الأوروبي. ففي عام 2023، بلغ عدد السكان بلجيكا 11.7 مليون نسمة (وفقا لبيانات مركز الهجرة الفيدرالي). يمثل الأجانب والبلجيكيون من أصول أجنبية نسبة 34% منهم.
هنا، لا يمكن أن تمر من مكان أو شارع دون أن تلفت نظرك بصمة مغربية واضحة: محلات، مغاربة بزيهم التقليدي دون عقدة من هوية أو ثقافة أو فن مغربي وتاريخ عريق.
في فرنسا مثلا، بينما يشتغل عدد مهم من المغاربة في قطاع البناء (41%) والخدمات، هناك مهنة واحدة تكاد تكون “اختراعا مغربيا في فرنسا”: الجزارة.
فعلى مدار العقود، أعاد المغاربة تعريف المهنة، ليس فقط من حيث الجودة، بل من حيث العلاقة مع الزبون، تقنيات وحرفية وطقوس لا يتقنها غيرهم، تفان في تقديم اللحوم وفق الطابع المغربي المتميز لتحضير خصوصيات مغربية قحة من أحشاء الذبائح إلى الخليع.
“كلشي كيشري من عند الطيب… حتى الفرنسيين كيقولوا اللحم عنده كيجي بنين!”، يقول محمد، مستخدم في مطعم شواء في Pantin.
بل إن المطاعم المغربية، بعلامتها “cuisine marocaine”، تحولت إلى محج حقيقي، لا فقط للجالية، بل أيضا للفرنسيين الذين أصبحوا “يزاحمون” المغاربة على طاجين الدجاج بالزيتون أو طبق الكسكس يوم الجمعة.
فالكسكس لم يعد “موروثا” فقط، بل رمزا ثقافيا عابر للقارات. والبسطيلة الفاسية، بحشوتها الدقيقة، أضحت بطاقة تعريف ناعمة لهوية قوية.
في فرنسا كما في بلجيكا، لكل جالية تخصصها، وختمها المهني الخاص الذي تعكس به ثقافتها. لكن، قليل منها فرض نفسه كما فعل المطبخ المغربي، الذي لم يكتف بالبقاء، بل احتل الواجهة، وخلق له حيزا دائما في ثقافة الطعام الفرنسية، إلى جانب “الكراتان” و”البويابيس” الفرنسيين، وبلح البحر والبطاطس المقلية البلجيكيين.
حب مغاربة فرنسا وبلجيكا لوطنهم لا يحتاج إلى مناسبة، لكنه يزداد في المناسبات.
من الأعياد الوطنية والدينية، إلى مباريات المنتخب المغربي، ترفع الأعلام، ويردد النشيد الوطني، وتكتب رسائل الشوق على الزجاج الخلفي للسيارات.
“كنبكي ملي كنسمع أغنية مغربية… عادي، الوطن عمره ما كان بعيد”، تهمس مريم، أربعينية مقيمة في الضاحية الباريسية.
لكن التعبير عن الحب لا يقتصر على الشعارات، بل يظهر حتى في التفاصيل الصغيرة: كلما عرضت المتاجر الكبرى هنا منتجات فلاحية مغربية – من زيت الزيتون إلى الطماطم، والزعتر – يتهافت المغاربة عليها كأنها كنز عاطفي.
تقول مريم “منين يجي الدلاح ديال دكالة عند Carrefour؟ صافي خصني نديه!”
كل منتج مغربي هنا، من الطماطم المستوردة من أكادير، أو البرتقال من بركان، هو خيط رفيع يعيد وصل القلب بالوطن.
رغم أن تحويلات مغاربة الخارج بلغت سنة 2024 أكثر من 117 مليار درهم، تمثل أكثر من 7% من الناتج الداخلي المغربي، فإن الاستثمار الحقيقي في مشاريع تجارية أو صناعية بالمغرب لا يزال محدودا.
حسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط، لا يتجاوز عدد المغاربة المقيمين في الخارج الذين يستثمرون فعليا في المغرب 3%.
ومع ذلك، يبقى الحلم حاضرا. “نخدم هنا، ونعيش لهيه، هذا هو الحلم ديالنا كاملين”، يقول حميد، سائق طاكسي باريسي من أصول وجدية.
تتشكل الهوية العائلية لمغاربة فرنسا وبلجيكا بين الجيل الأول، الذي هاجر في ظروف اقتصادية قاسية، والجيل الثاني والثالث، الذي ولد ونشأ في البلد المضيف.
فيما تميز الجيل الأول بارتفاع نسب الزواج المبكر، نلاحظ اليوم تراجعا واضحا في ذلك. فمثلا في صفوف الشباب المغاربة بفرنسا، وخصوصا تحت سن الثلاثين – الذين يمثلون نحو 73% من الجالية – ترتفع نسب العزوبية، وتتفاوت أنماط العلاقات، متأثرة بثقافة البلد المضيف، دون فقدان صلة قوية بالقيم الأسرية المغربية.
المغاربة في ديار الغربة ليسوا زائرين، ولا مجرد مهاجرين عابرين، بل مواطنون بهوية مركبة، يعيشون يوميا التوازن بين الحنين والاندماج، بين الوطن الأم والوطن المضيف.
هم الذين جعلوا من الجزارة فنا، ومن المطبخ المغربي أيقونة، ومن المهاجر سفيرا عاطفيا دائما. في ديار المهجر، “المغربي” ليس فقط من يتحدث لهجة فاس أو الناظور، بل من يخلق وطنا صغيرا في مطبخه، في متجره، في صلاته، في احتفالاته الدينية، وحتى في مشاويره اليومية.
وعلى الرغم من الحدود والجوازات والقوانين، هناك شيء واحد لا يمكن إيقافه: حب المغرب… صباحا ومساء، بالمناسبة وبدون مناسبة.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى