
السفير 24
في ركنٍ معتمٍ من خيمة نزوحه المؤقتة، يرقد الحاج سليم عصفور، الرجل السبعيني الذي أجبرته الحرب على مغادرة بلدته “عبسان الجديدة” شرقي خان يونس، ليجد نفسه غريبا عن موطنه وجسده، وقد أكل منه الجوع حتى لم يبقَ منه سوى ظل مؤذنٍ كان يملأ حارات الحي بنداء الصلاة من مسجد الصحابة.
مقطع مصوَّر نُشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وثّق الحالة المؤلمة التي وصل إليها هذا المسن الفلسطيني، حيث تحدث بصوت خافت بالكاد يُسمع، قائلاً إنه لم يذق طعم الخبز منذ خمسة أيام. لم يعد قادراً على الوقوف، وتراجع وزنه إلى النصف – من 80 إلى 40 كيلوغراماً – نتيجة الجوع والمرض، في مشهد يعكس سياسة التجويع الإسرائيلية التي تُفرض على سكان القطاع منذ أشهر.
الصورة التي انتشرت كالنار في الهشيم، أظهرت سليم عصفور بجسده النحيل، في تجسيد مرعب لحالة المجاعة المستفحلة في غزة. لم تكن مجرد صورة لرجل جائع، بل وثيقة صادمة لواقع إنساني بالغ القسوة، دفع الآلاف من النشطاء إلى التعبير عن غضبهم عبر الإنترنت، معتبرين أن ما يحدث ليس مجرد مأساة إنسانية، بل جريمة حرب ترتكب على مرأى ومسمع من العالم.
علق أحد المغردين قائلاً: “ظننت الصورة مفبركة، حتى تواصلت مع جيرانه وأكدوا لي أنها حقيقية.. هذا هو العم سليم، مؤذن مسجد الصحابة”. وأشار آخر إلى المفارقة المؤلمة: “الرجل الذي اعتاد أن يوقظ الناس للفجر، بات لا يقدر على النهوض، ولا يملك حتى صرخة يشكو بها جوعه”.
وفي ظل هذا المشهد المؤلم، يتصاعد الجدل حول التقارير الإعلامية التي تنفي وجود المجاعة في غزة وتروّج لدخول مساعدات إنسانية. إلا أن الناشطين يؤكدون أن هذه المساعدات إما وهمية أو لا تصل إلى مستحقيها، وأن “الواقع لا يكذب، والجائع لا يحتاج إلى بيانات رسمية ليُثبت جوعه”.
الكثير من المتابعين اعتبروا أن قصة سليم عصفور لا تمثل حالة فردية، بل نموذجاً متكرراً لمعاناة آلاف الأسر في قطاع غزة، في ظل حصار خانق وتجاهل دولي مخزٍ. كتب أحدهم: “هذا الجسد النحيل ليس من خيال، بل من قلب الواقع الذي يعيشه أهل غزة. إنه الجوع بلحمه وعظمه، وتواطؤ العالم بصمته”.
واختُتمت كثير من المنشورات برسائل حزن وغضب، مؤكدين أن سليم عصفور ليس مجرد رجل مسن جائع، بل شاهد حي على خذلان العالم، وعلى كذب الروايات التي تدّعي أن غزة تتلقى ما يكفي من الغذاء. “هذا الرجل يُجبرنا أن ننظر في المرآة… ونتساءل: أين نحن من إنسانيته؟”.



