في الواجهةكتاب السفير

حين تخاف الأغلبيات من الأقليات: قراءة نقدية في خطاب الخوف من إيران ومن إسرائيل

حين تخاف الأغلبيات من الأقليات: قراءة نقدية في خطاب الخوف من إيران ومن إسرائيل

le patrice

السفير 24 – بقلم : المهندس عبد الله أيت شعيب

الحلقة الأولى: مقدمة -مفارقة الخوف المعكوس… حين تخشى الكثرة القلة-محتويات البحث:

* مقدمة: “فزاعة الآخر”.. حين يصير الخوف بنية ذهنية مزمنة :

في زمنٍ تتداخل فيه الحقائق مع الأوهام، وتُبنى المواقف السياسية والدينية على صور ذهنية نمطية أكثر من اعتمادها على تحليل عقلاني للمصالح وللمخاطر وللمعطيات، تغدو فزاعات “العدو الخارجي” وسيلة جاهزة في يد بعض الخطابات الرسمية والإعلامية وغيرها؛ تُستخدم لتبرير الجمود، وتبرئة الذات من الإخفاقات، وصرف انتباه الشعوب عن أزماتهم البنيوية، بل ولتبرير الإصطفافات والتبعيات تحت ذريعة الأمن والإستقرار والمصالح العليا.

غير أن الأخطر من كل ذلك، هو حين تتحول هذه الفزاعات من أدوات ظرفية إلى بنية ذهنية مستقرة، تُشكّل طريقة تفكير جماعية، تضخّم الخوف من الآخر ، وتعكس أكثر ما تعانيه الذات من خلل، لا ما يمثله “الآخر” من تهديد.

وما يبعث على الدهشة أكثر، بل القلق، أن يتسع هذا الخوف ليشمل حتى الأقليات، التي من المفترض أن تخاف هي من الذوبان في الأغلبيات؛ فترى المسلمين يتوجسون من الصهاينة، وأهل السنة يتحسسون من الشيعة وإيران، وأربعون مليون مغربي مسلم ينظرون بحذر إلى أقل من مليون يهودي مغربي.

إن هذا الخوف غير المتكافئ لا يعكس تهديدًا واقعيًا، بقدر ما يُجسّد هشاشة في بناء الذات الجماعية، ويكشف عن أزمة ثقة تُسقِط ضعف الداخل على أوهام الخارج.

مفارقة الخوف المعكوس…: حين تخشى الكثرة القلة:

ثمّة مفارقة غريبة وعصية على الفهم المنطقي: نحن — كأغلبية ساحقة — نخاف من أقليات صغيرة، ونحمّلها مسؤولية توترنا، وخوفنا، وارتباكنا الوجودي…:

• نحو ملياري مسلم يعيشون في قلق دائم من أقل من عشرة ملايين صهيوني، بينما لم ينجح هذا العدد المهول في بناء استراتيجية موحدة أو موقف جماعي حازم يُوازن كفة الصراع.

• وفي داخل العالم الإسلامي، نجد أكثر من 85% من المسلمين من أهل السنة، ومع ذلك يسكنهم هاجس الخوف من المد الشيعي ومن الشيعة الذين لا تتجاوز نسبتهم 15%، وكأنهم يملكون مفاتيح التحكّم في مصير الأمة بأكملها.

• في المغرب، يعيش أربعون مليون مغربي مسلم في ظل تصورات موروثة وهواجس مركّبة من احتمال عودة أقل من مليون يهودي من أصول مغربية، ويُصور ذلك أحيانًا كـ”تهديد قومي”، رغم أن المنطق يقول إن الأقلية هي من يجب أن تخاف على هويتها وثقافتها، لا أن تخيف الأكثرية.

فلم لا تنقلب المعادلة؟

• أليس الأصل أن تخاف الأقليات من الذوبان في محيط الأغلبية؟

• أليس من البديهي أن تكون القلة أكثر قلقًا على وجودها وهويتها، لا أن تعيش الأغلبية في فوبيا مَرَضية من “أقليات” مهما علا صوتها، تبقى محدودة التأثير ما لم تجد قابلية داخل الأغلبية ذاتها؟

هذا الخوف المعكوس هو نتيجة مباشرة لهشاشة داخلية في البنية الثقافية والفكرية للأغلبية في مجتمعاتنا مع كل أسف. فمن لا يثق بذاته، ولا يمتلك مشروعًا حضاريًا متماسكًا، يرى في كل “مختلف” تهديدًا، وفي كل “أقلية” مشروع اختراق.

ويبدو أن هذا النمط من التفكير يُوظّف، في كثير من الأحيان، كأداة للتعبئة أو لتبرير الجمود، أكثر من كونه ناتجًا عن تحليل موضوعي للواقع.

وبالتالي، الخشية الحقيقية ينبغي أن تكون من فقدان الثقة في الذات وفي تحقيرها، لا من امتلاء الآخر. ومن غياب المناعة الفكرية، لا من وجود المختلف. أما عندما تصبح “الأقليات” شماعة نُعلّق عليها أزماتنا، فإننا لا نُواجه خطرًا خارجيًا بقدر ما نُخفي خللًا داخليًا نرفض الاعتراف به.

فوبيا “الآخر”… حين يصبح الخوف قناعًا لخلل في الذات:

أقول وأؤكد مرة أخرى، بأنه حين تُضخَّم صورة “العدو الخارجي” — سواء تمثل في إيران، إسرائيل، أو غيرهما — يصبح الخطاب السائد محكومًا بمنطق الخوف والانفعال، لا بمنهج التعقل والسيادة. وهذا النوع من الخطاب، وإن تزيّن بعبارات الحذر والانتباه، فإنه في جوهره يعكس حالة من التوتر الذاتي والهشاشة الداخلية أكثر مما يُعبّر عن إدراك واعٍ بحقيقة التهديد.
فالمجتمع الذي يملك مرجعية فكرية راسخة ومشروعًا حضاريًا متكاملًا، لا يُفزَع من وجود خصم خارجي، بل يقرأه في سياقه، ويستجيب له انطلاقًا من مركزه لا من هامشه. أما حين يتحوّل “الآخر” إلى مركز لكل الخطابات والتحذيرات والاستراتيجيات، فذلك مؤشر على خلل في بنية الوعي الجماعي، وغياب لمنظور ذاتي مستقل يُنتج المواقف انطلاقًا من رؤية، لا من ردود أفعال.

ثم إن هذا الخوف المفرط لا يجيب على سؤال جوهري:

• لماذا تنجح بعض القوى التي نعتبرها “خصومًا” في بناء نفوذ داخل مجتمعاتنا (المد الإيراني أوالاختراق الصهيوني نموذجا)؟

• هل يعود الأمر فقط إلى مكر تلك الأطراف؟ أم أن هناك قابلية داخلية للاختراق؟

• أليس انتشار بعض الأيديولوجيات أو نماذج “الممانعة” أو حتى حالات التعاطف مع خصوم الأمة في بعض الأوساط الإسلامية دليلاً على فراغات معرفية، وعجز في بناء منظومة فكرية جذابة ومقنعة؟

الخوف من الآخر لا يصبح مشكلة حين يكون واعيًا ومبنيًا على معطيات واقعية، بل يُصبح أزمة عندما يتحول إلى مرآة نُسقط عليها ضعفنا، وانعدام ثقتنا في ذواتنا، وفشلنا في صياغة مشروع جامع. فبقدر ما نُضخّم صورة “العدو”، بقدر ما نُغفل عن سؤال أكبر وأعمق:

لماذا لم ننجح، نحن، في تحصين مجتمعنا بالوعي، وبناء نموذج مقاوم للاختراق؟
إن الخطاب الذي يُغرقنا في فوبيا الآخر، دون أن يدفعنا إلى مراجعة الذات، لا يُنتج أمنًا، بل يُكرّس الهشاشة، ويُبرر التبعية، ويُقنع الشعوب بأن لا خيار لها سوى الاحتماء بقوى خارجية أو التماهي مع خطاب التخويف المستمر.

ختاما:

إنَّ أخطر ما يُمكن أن تُبتلى به أمة من الأمم، ليس وجود خصوم خارجيين أو تحديات جيوسياسية، فهذا أمر طبيعي، بل غياب المشروع، واهتزاز الثقة بالذات، واستمرار الهروب من سؤال الإصلاح الداخلي.

أما الأدهى من ذلك، فهو حين تعيش الأغلبية هاجسًا دائمًا من أقليات محدودة العدد، وتُشيِّد حولها أسوارًا من الوهم والخوف، وكأنها تهديد وجودي يُهدد كيانها وهويتها.

إنَّ الخوف من “الآخر” يصبح طبيعيًا عندما ينبني على معطيات واقعية وتحليل هادئ، لكنه يتحوّل إلى أزمة حضارية ونفسية حين يُصبح تعبيرًا عن خلل داخلي نرفض الاعتراف به، وتبريرًا للعجز عن بناء منظومة فكرية منيعة وجاذبة. ففي النهاية، لا تُهزم الأمم بالخارج، بل تنهار من الداخل حين تُستنزف في صراعات وهمية، وتعيش على وقع فزّاعات تُنتجها بنفسها.

إذن، إنّ أولى خطوات التحرر الحقيقي لا تبدأ بمواجهة “العدو”، بل تبدأ بمساءلة الذات، وبناء وعي جماعي صلب، واسترجاع الثقة في الإمكان الحضاري للأمة. فعندما نملك مشروعًا واضحًا، وهوية فكرية راسخة، ورؤية متماسكة للمستقبل، لن نحتاج إلى تضخيم “الخطر”، بل سنكون قادرين على مواجهته من موقع الفاعل، لا من موقع المنفعل أو المفعول به.

فليكن خوفنا حافزًا للتفكير، لا أداة للتخويف. وليكن خطابنا مرآةً للوعي، لا بوقًا للهشاشة.

من هنا، تبرز الحاجة المُلحّة إلى مساءلة هذه البُنى الذهنية، وتفكيك الصور النمطية المتداولة حول “العدو”، سواء في الفضاء الإسلامي عمومًا، أو في السياق المغربي على وجه الخصوص. فالتعاطي مع ما يُسمى بـ”التهديد الإيراني” و”الخطر الإسرائيلي” غالبًا ما يعكس اضطرابًا في الوعي بالذات، أكثر مما يُجسد قراءة متبصرة لمعادلات الواقع الجيوسياسي وتشعباته. إن الطريقة التي يُصاغ بها هذان التهديدان لا تكشف عن عمق في التحليل، بقدر ما تُعرّي هشاشة في إدراك الذات، تُسقط مخاوفها على الآخر، وتُلبسه ثوب الخطر الداهم.

محاور البحث:

ونظرًا لما يثيره هذا الموضوع من إشكالات فكرية وسياسية، وما يحمله من أبعاد دينية وثقافية تتقاطع مع مكونات الهوية والانتماء، وانطلاقًا من أهمية تفكيك هذا الخطاب وفهم خلفياته الدينية والسياسية، واستيعاب أبعاده النفسية والاجتماعية، سأتناول هذا الموضوع، في حلقات، من خلال المحاور التالية:

المحور الأول: نبذة تعريفية عن إيران والمذهب الشيعي:

قبل الحديث عن التهديدات المنسوبة لإيران، لا بد من التعرف على الخلفية التاريخية والسياسية والدينية لهذه الدولة، خاصة بما تمثله من تجربة ثيوقراطية شيعية ذات بعد إقليمي واسع التأثير.

المحور الثاني: نبذة عن اليهودية، الحركة الصهيونية، ودولة إسرائيل:

وبالمثل، من المهم الوقوف عند المكونات الدينية والسياسية التي شكلت الصهيونية وأدت إلى قيام دولة إسرائيل، لفهم السياق الذي تُبنى فيه المخاوف المتعلقة بها.

المحور الثالث: العلاقات المغربية – الإيرانية: بين القطيعة والحذر:

في هذا السياق، تكتسب العلاقات المغربية الإيرانية بعدًا خاصًا، إذ تشهد توترًا متقطّعًا تغذّيه تراكمات من الصراعات التاريخية، واعتبارات إقليمية ومذهبية، تعكس تراكبات السياسة والدين كما سنوضح ذلك لاحقا.

المحور الرابع: العلاقات المغربية – الإسرائيلية: اليهود المغاربة والرهانات السياسية:

أما العلاقات المغربية الإسرائيلية، فإنها تحكمها اعتبارات تاريخية وجيوسياسية معقدة، يتداخل فيها البعد الديني مع الذاكرة المشتركة لليهود المغاربة والديناميات الدولية.

المحور الخامس: الفزاعات السياسية في الخطاب الرسمي: بين التوظيف والحذر:

وبعد استعراض هذه العلاقات، يبرز تساؤل جوهري: هل يتم فعلاً تقييم هذه الدول وفق تهديداتها الواقعية، أم أنها تُستثمر كفزاعات تُعيد إنتاج الاصطفافات السياسية والولاءات الداخلية؟

المحور السادس: الإعلام وصناعة “العدو”: كيف تتشكل الصورة النمطية؟

في صلب هذا التوظيف، يلعب الإعلام دورًا حاسمًا في ترسيخ صورة العدو، وتكريس نمط معين من التلقي الجماعي، يتجاوز الواقع نحو الخيال الجماعي المُؤدلج.

( الخيال الجماعي المؤدلج هو تلك الصورة المشتركة التي تتشكل داخل وعي الجماعة بفعل التأثير الإيديولوجي، ويتم من خلالها بناء سرديات جماعية موجَّهة تُستخدم لأغراض سياسية أو عقائدية أو اجتماعية.).

المحور السابع: الخوف من الأقليات: إسقاطات داخلية لهواجس خارجية:

والأدهى من ذلك، أن هذه الفزاعات لا تبقى في الخارج، بل تنعكس داخليًا عبر الخوف من الأقليات المذهبية أو الدينية، مما يشير إلى أزمة ثقة داخلية قبل أن تكون خوفًا من الآخر.

المحور الثامن: موقع العقل النقدي في مواجهة الذهنية الدفاعية:

كل هذه الظواهر تؤكد الحاجة إلى عقل نقدي قادر على مساءلة المُسلّمات، والتمييز بين الواقع والمُتخيَّل، بين التحليل العميق والانفعال الجماعي.

المحور التاسع: نحو خطاب بديل: من التهويل إلى التعايش:

في ظل تصاعد الخطابات الدينية المتشنجة، التي تعتمد على التهويل وشيطنة الآخر، تبرز الحاجة الملحّة إلى بناء خطاب عقلاني بديل، يخرج من ثنائية “نحن مقابل هم”، وينطلق من قيم الإسلام الكبرى في العدل والرحمة والإنصاف. فقد أثبتت التجربة أن التهويل لا ينتج إلا التوجّس، ولا يثمر إلا الانغلاق والتخندق، بينما يُفضي التعايش إلى بناء الجسور، وفهم الواقع بعمق، والانفتاح على التنوع داخل الأمة الإسلامية، دون ذوبان في الآخر أو تخلي عن الثوابت.

إن الخطاب البديل لا يعني التنازل عن المبادئ، بل يهدف إلى تحقيق التوازن بين الثبات والمرونة؛ بين الدفاع عن العقيدة، واحترام تعدد الاجتهادات. وهو خطاب يحتاج إلى تأصيل فقهي حقيقي، يؤسس لفكرة “الوحدة في التنوع”، ويجعل من الاختلاف مصدرًا للرحمة، لا منطلقًا للعداء. فالانفتاح الواعي لا يتنافى مع الحذر المشروع، والنقد البنّاء لا يعني بالضرورة الانخراط في التطبيع أو التماهي مع الخصوم، بل هو تعبير عن نضج فكري، وقدرة على النظر في المآلات بعيدًا عن الانفعالات.

المحور العاشر: لماذا يتخذ بعض فقهاء المغرب إيران عدوًا مثلها مثل إسرائيل؟

في ساحة الخطاب الديني المغربي، يلاحظ أن بعض الفقهاء لا يكتفون برفض المشروع الإيراني لأسباب مذهبية أو سياسية، بل يضعونه في خانة واحدة مع “الخطر الصهيوني”، معتبرين أن كليهما يشكل تهديدًا عقائديًا وسياسيًا للأمة.

وهنا تطرح إشكالية الاستقلالية في الاجتهاد:

هل فعلاً بَنَت النخب الدينية المغربية موقفها من إيران على دراسات علمية رصينة، أم أنها اكتفت بنقل مواقف مشرقية جاهزة مشبعة بالهواجس الطائفية خاصة منها الوهابية؟ أم أنها ما تزال، بوعي أو بدونه، أسيرة الإرث التاريخي للصراع السياسي والمذهبي الذي نشب بين الملك الحسن الثاني والمرشد الخميني قبل نحو نصف قرن، وما رافقه من توترات وظلال أيديولوجية أثرت على الوعي الجمعي والمؤسسات الدينية الرسمية وغير الرسمية؟

وهل من الحكمة والعدالة الدينية وضع إيران – على ما فيها من أخطاء عقدية وسياسية – في نفس مرتبة إسرائيل، التي تحتل أرضًا، وتقتل شعبًا، وتهوّد مقدسات المسلمين بشكل يومي؟

إن الفرق بين الطرفين جوهري لا شك فيه، ولا يُلغيه الخلاف المذهبي أو الخصومة السياسية. فإيران دولة إسلامية تختلف معها الأمة في بعض الرؤى، بينما إسرائيل كيان استعماري غاصب لا يعترف بأصل الأمة ولا مقدساتها.

في ضوء هذا، فإن المطلوب من علماء المغرب ودعاته، هو إعمال فقه الموازنات، والتمييز بين العدو الوجودي والخصم المذهبي، وبين الاجتهاد الشرعي الحر والانجرار وراء أجندات إقليمية قد لا تخدم مصلحة المغرب ولا الأمة.

المحور الحادي عشر: نحو رؤية متبصّرة في التعامل مع إيران والتشيّع:

إن التعامل مع إيران والتشيع لا ينبغي أن يقوم على التهويل أو التبسيط، بل على الفهم العميق لطبيعة النظام الإيراني، وتمييز ما هو سياسي عن ما هو عقدي.

فإيران دولة ذات مشروع سياسي إقليمي واضح، وهذا المشروع لا يتقاطع دائمًا مع المصالح المغربية، بل قد يتعارض معها أحيانًا، خاصة إذا اقترن بدعم حركات تهدد أمن المغرب ووحدته الترابية. لكن رغم ذلك، فإن مقاربة هذا الملف يجب أن تقوم على:

• التحليل السياسي الواقعي لا على التخويف المذهبي.

• تحصين الجبهة الداخلية دينيًا وفكريًا بدل مطاردة “الأشباح”.

• الفصل بين التشيّع العقدي الفردي كخيار فكري، وبين المشروع التوسعي الأيديولوجي الذي قد يهدد الأمن الروحي الوطني.

• عدم تحويل الخلاف المذهبي إلى فتنة طائفية تغذي الكراهية والانقسام داخل المجتمعات الإسلامية.

وبالتالي، المطلوب هو سياسة وقائية، فكرية وتربوية، لا أمنية صرف، وحوار ديني عقلاني يردّ الانحراف بالحجة والمعرفة، لا بالتخويف أو الإقصاء.

المحور الثاني عشر: من العداء العاطفي إلى الفهم الاستراتيجي في التعامل مع إسرائيل والصهيونية واليهود:

أما في ما يتعلق بإسرائيل، فالوضع أكثر تعقيدًا، بحكم ما يثيره من مشاعر دينية وتاريخية مرتبطة بالقضية الفلسطينية. غير أن العداء الأجوف لم يقدّم شيئًا لفلسطين طوال عقود، بل ساهم أحيانًا في تجميد التفكير العقلاني وتضييع فرص التأثير الفعلي.
لذلك، فإن التعامل مع إسرائيل والصهيونية واليهود يجب أن يقوم على:

• تمييز اليهودي المغربي عن المشروع الصهيوني الاحتلالي: فاليهود المغاربة جزء من نسيج الوطن، وكانوا وما زالوا مواطنين كاملي الحقوق.

• الفصل بين الانفتاح الدبلوماسي على إسرائيل ومجرد التطبيع المجاني الذي لا يخدم المصالح الوطنية أو الفلسطينية.

• إدراك التوازنات الدولية وتحولات التحالفات دون تفريط في المبادئ ولا خضوع للمزايدات.

• تبني خطاب وطني عقلاني يناصر فلسطين ويدافع عن السيادة المغربية، دون السقوط في مزايدات سطحية أو انفعالات عديمة الأثر.

نظرا لحساسية العلاقات مع إسرائيل، فالأمر يتطلب تعاملاً متزنًا وواعياً، يُراعي ثوابت الأمة ومصالح الوطن في آن واحد.
فالتعاطف العميق مع القضية الفلسطينية، والرفض الشعبي للاحتلال، يظلان ثابتين لا يمكن التفريط فيهما.
غير أن المقاربة السياسية للدولة، بما في ذلك الانفتاح الدبلوماسي، تتحرك أحيانًا في هامش المناورة الاستراتيجية الدولية، في محاولة لحماية مصالح سيادية، وعلى رأسها قضية وحدتنا الترابية.

من هنا، يجب أن نُفرّق بوضوح بين:

الانفتاح الدبلوماسي المحكوم، كأداة سياسية مؤقتة في سياق توازنات معقدة،

وبين التطبيع الثقافي أو المجتمعي الذي يُذيب الوعي بالقضية ويشرعن الاحتلال.

وإذا كان من الضروري التحرك في مساحات دبلوماسية دقيقة، فإن ذلك لا يُلغي واجبنا في مناصرة فلسطين، قولاً وفعلاً، واستمرار دعمها في المحافل الدولية، دون السقوط في ردّات فعل عاطفية أو مزايدات لا تخدم لا فلسطين ولا المغرب.

باختصار، المطلوب هو عقل استراتيجي، لا قلبًا متهيجًا، وموقف وطني ثابت، لا عاطفة متقلبة.

خاتمة: نحو عقل سياسي متزن في فهم “الآخر” والتعامل معه:

في ضوء ما سبق من تحليل لمسار العلاقة مع إيران والتشيع من جهة، ومع إسرائيل والصهيونية واليهود من جهة أخرى، يتبيّن أن الإشكال لا يكمن فقط في “الآخر”، بل في الطريقة التي نفكّر بها فيه، وفي هشاشة البنية الذهنية التي تُسقِط توتراتها على “العدو المفترض”، وتختصر تعقيدات الجغرافيا والتاريخ والدين في ثنائيات جاهزة: سُنّي/شيعي، مسلم/يهودي، معنا/ضدنا.

فمع إيران، المطلوب عقل استراتيجي يُفرّق بين المذهب كاختيار فردي مشروع، وبين التمدّد السياسي الأيديولوجي الذي قد يمس بالسيادة الوطنية أو بالوحدة الدينية.

ومع إسرائيل، لا بد من التمييز بين اليهود المغاربة كمكون وطني تاريخي، وبين المشروع الصهيوني كاحتلال، مع ضرورة التعامل مع الواقع الإقليمي والدولي بمرونة سيادية تحفظ المبدأ دون أن تُفرّط بالمصلحة.

وحده العقل السياسي المتبصر القادر على تجاوز منطق الفزاعات، والتحرر من الخطابات الانفعالية، والانتقال من العداوة الغريزية إلى المواجهة الواعية، ومن العزلة العاطفية إلى الفاعلية الجيوسياسية.

ختامًا، فإن تجاوز منطق التخويف والعداوة يتطلب بلورة خطاب عقلاني متوازن، يستند إلى المصالح الوطنية، ويؤمن بإمكانية التعايش دون التفريط في الثوابت.

في الحلقات القادمة، سنعمل بعون الله على التوغّل في تحليل المحاور السابقة، لكشف البنية العميقة لخطاب التخويف، عبر تتبّع جذوره الدينية والفكرية والسياسية، ورصد الفاعلين الرئيسيين في هندسته — وعلى رأسهم إيران وإسرائيل — سعيًا للإجابة عن أسئلة جوهرية: كيف وُلد هذا الخوف؟ من يصنعه ويغذّيه؟ وما الغايات الكامنة خلف استدامته؟ ولماذا ما زالت الشعوب حبيسة شباكه حتى اليوم؟

دمتم سالمين…

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى