
السفير 24 – ذ. حيمري البشير – الدنمارك
يبدو، ومن المؤكد، أن الحكومة المغربية، وعلى لسان وزير الداخلية، لا تُبدي أي نية حقيقية في فتح المجال أمام مغاربة العالم للمشاركة السياسية من خلال تمثيلية مباشرة داخل غرفتي البرلمان أو في مؤسسات الحكامة التي نص عليها دستور المملكة.
فقد جاءت تصريحات وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت خلال مداخلة له في البرلمان واضحة وصريحة، تؤكد عدم وجود إرادة حكومية لتفعيل الفصول الدستورية المتعلقة بمشاركة الجالية المغربية المقيمة بالخارج في الحياة السياسية. هذه التصريحات لم تمر مرور الكرام، بل اعتُبرت من طرف عدد من الفاعلين في صفوف الجالية “ردًّا صادماً” بعد سنوات طويلة من النضال والمرافعة من أجل الاعتراف بمبدأ المواطنة الكاملة.
اللافت في توقيت هذه التصريحات أنها جاءت في بداية العطلة الصيفية، في وقت يعرف فيه نقاش الجالية زخماً كبيراً حول غلاء تذاكر السفر، سواء على متن الخطوط الملكية المغربية أو عبر البواخر القادمة من موانئ فرنسا وإسبانيا. وهو ما جعل الكثيرين يرون في خرجة الوزير استفزازاً غير مبرر، ومحاولة لإثارة الجدل في لحظة حساسة مرتبطة بعملية “مرحبا” التي لا تخلو كل سنة من المشاكل التنظيمية والمادية.
ردود وزير الداخلية اعتُبرت بمثابة ضربة موجعة لمغاربة العالم، الذين ما زالوا يناضلون، سواء داخل أرض الوطن أو خارجه، من أجل تفعيل مقتضيات واضحة في الدستور المغربي، تضمن حقهم في التمثيلية السياسية والمشاركة في تدبير الشأن العام. فهل يمكن اعتبار هذه التصريحات موقفاً رسمياً يعكس توجهاً ثابتاً للحكومة، أم مجرد رأي فردي لوزير الداخلية؟ وأين هي مواقف الأحزاب السياسية من كل ذلك؟
الغريب أن هذا الصمت الحزبي أصبح سلوكاً متكرراً، كلما تعلق الأمر بمطالب الجالية. فهل ستتجرأ الأحزاب الممثلة في البرلمان على فتح نقاش وطني مسؤول للرد على هذا التوجه الرسمي؟ أم ستفضل الصمت واللامبالاة، تاركة مغاربة الخارج في عزلة دستورية، رغم أن عددهم يتجاوز ستة ملايين نسمة ويشكلون رافعة اقتصادية واجتماعية لا يمكن تجاهلها؟
إن تصريحات السيد لفتيت، التي فُهمت لدى العديد من المتتبعين كإعلان عن تراجع الدولة عن تفعيل الفصول المرتبطة بالمشاركة السياسية للجالية، تُهدد بتعكير صفو العلاقة بين مغاربة المهجر ووطنهم الأم. فإلى متى ستظل الحكومات المتعاقبة تتجاهل هذه الفئة، وتُحجم عن إدماجها في المؤسسات التمثيلية رغم وضوح النص الدستوري؟
لقد عبّر عدد كبير من أفراد الجالية، خصوصاً المهتمين بالشأن السياسي، عن غضبهم واستيائهم من مضمون تصريحات وزير الداخلية، واعتبروها انقلاباً على الشرعية الدستورية، وتراجعاً مرفوضاً عن التزامات سابقة قطعتها الدولة المغربية في مناسبات متعددة، على رأسها خطاب الملك محمد السادس سنة 2005 الذي دعا فيه صراحة إلى إشراك مغاربة العالم في مؤسسات البلاد.
ويبقى السؤال المطروح اليوم بإلحاح: من هي الجهة التي تعرقل تفعيل فصول الدستور المتعلقة بتمثيلية الجالية؟ وهل ستواصل الأحزاب السياسية تجاهل هذا الملف، أم سيكون لها الجرأة لفتح نقاش حقيقي وشجاع داخل البرلمان؟
إن رد وزير الداخلية، رغم صراحته، فتح الباب أمام موجة من الغضب المشروع، وعلى الجهات السياسية أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في التفاعل مع هذا الملف بما يليق بأهميته الوطنية والدستورية.



