
السفير 24 | حيمري البشير – الدنمارك
فضلت أن أطلق على دولة الاحتلال “السرطان”، وهو المرض الخبيث الذي يصيب الإنسان. لكن في الحقيقة، إذا راجعنا تاريخنا منذ قيام الدولة الإسلامية، نجد أن اليهود عاشوا جنبًا إلى جنب مع المسلمين في المدينة وفي مختلف بلاد المسلمين.
ولما حاول المسيحيون في الأندلس إرغامهم على اعتناق المسيحية، فضلوا الهجرة إلى الجنوب، نحو المغرب، فاستوطنوا عدة مدن مغربية، وانتشروا شمالاً وجنوباً، وعاشوا في سلام ووئام. كان المسلم يأكل طعام اليهودي، واليهودي يأكل طعام المسلم، ولم يكن هناك شيء محرم بينهما. عاش اليهود في المغرب لقرون عديدة وأدّوا الجزية وهم صاغرون، في الوقت الذي أخرج فيه المسلمون حق المال، ألا وهو الزكاة. وكان الحاكم المسلم حريصاً على الحفاظ على حقوق غير المسلمين.
عرف اليهود عبر التاريخ بذكائهم، لكنهم عُرفوا كذلك بأنهم قوم ينتابهم الخوف والهلع من أبسط الأشياء. كنا ونحن صغار، عندما نريد المزاح مع التجار اليهود – وقد عُرفوا بذلك – نخرج أحيانًا عن الجدية في التعامل معهم لنختبر ذكاءهم، وفي نفس الوقت شجاعتهم وهلَعهم من أبسط الأمور.
ومن الأشياء التي كانوا لا يحبون لمسها أو الاقتراب منها، ليست الثعابين السامة ولا الفئران، ولكن الحلزون! كنا نأتي بالحلزون وندخله إلى محلاتهم التجارية التي كانوا يملكونها في المدينة التي نسكنها، فنضعه عند مدخل الدكان ونتركه قليلاً حتى يبدأ في السير، ثم نصيح: “ما هذا يا شلومو؟”، وهو يهودي عاش في المدينة التي أنحدر منها، ومات ودُفن في المقبرة اليهودية.
كانت لدينا ذكريات مع العديد من اليهود في المدينة، الذين عرفوا بتعاطيهم للتجارة وامتلاكهم للمال. لا بد من الإشارة إلى أن يهود المغرب تقلدوا مناصب عليا في الدولة المغربية، فكانوا سفراء معتمدين في بلدان أجنبية، وتحملوا مسؤوليات في الدولة. من بينهم: مستشار الملك الحالي أندري أزولاي، وأساتذة جامعيون مثل إدمون عمران المليح، الذي كان أستاذا جامعياً، ورفض الهجرة إلى فلسطين، وبقي هنا ومات ودفن في الدار البيضاء.
ولا ينسى الشعب المغربي مواقف المناضل أبرهام السرفاتي، الذي رفض التنازل عن مبادئه ونضاله من أجل الكرامة والعدالة لكل الشعب المغربي، وبقي متشبثاً بمغربيته قائلاً: “أنا مغربي من أصول يهودية”، ومات ودفن بمقبرة اليهود في الدار البيضاء.
ومن الخصال السلبية التي تربى عليها بعض اليهود، عدم الثقة بالمسلم ولو كان جاره لسنين ويقتسم معه الأكل، فكان دائم الحذر منه. ومع ذلك، عاش المسلم بجانب اليهودي في سلام ووئام، ينطبق عليه ما ينطبق على المسلم من حقوق وواجبات، حتى سنة 1950 وأواخر الستينات، حيث بدأوا يفكرون في إقامة وطن قومي لليهود، واختاروا الهجرة إلى أرض فلسطين، وهم مهووسون ببناء الهيكل.
الاستعمار البريطاني هو من حقق حلم اليهود بزرع دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وتتحمل بريطانيا مسؤولية ما يعيشه الشعب الفلسطيني اليوم من تهجير منذ سنة 1948، ثم الاحتلال الكامل في 1967. وقد بدأت موجة هجرة اليهود من مختلف أنحاء العالم، ومن المغرب كذلك، حيث كانوا يعيشون في سلام ويتمتعون بكامل الحقوق، وكان الملوك المغاربة يمنحونهم كامل الاحترام.
تمتع اليهود المغاربة بما تمتع به باقي المغاربة، وكانوا سفراء لدى السلطان، وخدموا الدولة بتفان وإخلاص، وتقاسموا مع المسلمين الأكل والأفراح، ولهم مقابرهم التي لا تزال قائمة إلى اليوم، يزورها من غادر إلى أرض فلسطين بين الفينة والأخرى. وما زال العديد منهم يحتفظ بجوازات سفر مغربية، ورفض بعضهم الهجرة، فبقوا في المغرب كمستشارين للملك، وسفراء، ورجال أعمال، وحافظوا على روابطهم بالمملكة.
وقد حافظوا على لغة التواصل التي اكتسبها أجدادهم ونقلوها لأبنائهم. بل إن العديد من اليهود الذين مارسوا مهنة التجارة وصناعة الحلي، يتكلمون الأمازيغية بطلاقة. كانت والدتي – رحمها الله – تروي لي جانباً من التاريخ الذي عاشه اليهود في مدينة جرادة، حيث كانت علاقتهم بجيرانهم علاقة ود واحترام، يتقاسمون الأفراح والأحزان والأكل، في تناقض صارخ مع ما يعيشه الفلسطينيون اليوم تحت وطأة اليهود القادمين من أوروبا الشرقية، الذين يمارسون عليهم انتهاكات جسيمة.
تجدر الإشارة إلى أن اليهود المغاربة الذين غادروا المغرب يزورونه باستمرار، ويحملون جوازات سفر متعددة، منها المغربية، ويفتخرون دائماً بوطنيتهم وانتمائهم للمغرب.
وقبل قيام دولة إسرائيل سنة 1948، كان عدد اليهود في المغرب يتراوح بين 250.000 و350.000، مما جعله البلد الإسلامي صاحب أكبر جالية يهودية، لكن بحلول عام 2017، لم يبقَ منهم سوى حوالي 2000 فقط.



