
السفير 24- بقلم: المهندس عبد الله أيت شعيب
مقدمة لابد منها:
رغم إصرار بعض الجهات المعادية للوحدة الترابية للمملكة المغربية على استغلال القافلة الدولية، التي انطلقت من مختلف بقاع المعمور، للمساس بمغربية الصحراء، عبر بتر جنوب المملكة من الخريطة الملصقة على حافلاتهم، ورغم ما يحمله هذا السلوك من إساءة صريحة لمبدأ احترام سيادة الدول ووحدتها، وبما أن القافلة تضم نشطاء من مختلف بقاع العالم، وتتجه نحو هدف إنساني نبيل يتمثل في فك الحصار عن أهلنا في غزة الجريحة، فقد رأيت من واجبي تناول هذه المبادرة بما تحمله في عمقها من دلالات إيجابية، متجاوزًا نوايا التوظيف السياسي الضيق، ومُستحضرًا في المقام الأول البعد الإنساني الذي توحِّد فيه المواقف وتُغَلَّب فيه الضمائر على الأجندات.
*قمع لا يليق بمصر ولا بتاريخها، ورسائل سيئة إلى العالم:
في مشهد يندى له الجبين، وبأسلوب مشين، أقدمت السلطات المصرية على منع قافلة “الصمود” من التوجه نحو مدينة رفح للوصول إلى معبرها الحدودي مع قطاع غزة، مسخرة بلطجيتها ومستخدمة الهراوات وقنينات المياه لقمع نشطاء سلميين جاؤوا من مختلف بقاع العالم، حاملين الغذاء والأدوية ورسائل التضامن للفلسطينيين، رافعين أصوات الضمير الانساني العالمي في وجه الإبادة والعدوان.
كان من الممكن لهذا المشهد أن يتحول إلى لحظة إنسانية مشرفة، تستعيد بها مصر دورها التاريخي كحاضنة للقضية الفلسطينية ودرعها العربي.
*لكنّ السلطة اختارت – بكل أسف – أن ترسل رسائل سيئة إلى العالم*: أن التضامن مع الفلسطينيين جريمة، وأن من يحمل الغذاء والدواء للأطفال يُستقبل بالهراوة والقمع، وأن مَن يقف مع الضحية يُعامل كالمجرم، بل أسوأ.
بل أفظع من ذلك… فالسلطات المصرية تقول للعالم إنها الدرع الواقي للصهاينة المجرمين مرتكبي الإبادة الجماعية في حق الفلسطينيين والملاحقين من طرف محكمة الجنايات الدولية :
لقد ذهبت السلطات المصرية في انحدارها إلى مدى يُحرج حتى ألدّ أعداء فلسطين، فبتصديها لقافلة الصمود ومنعها بالقوة والعنف، أوصلت رسالة مفزعة إلى العالم: أنها لا تقف فقط على الحياد، بل إنها في خندق العدو الظالم، تؤدي دوره، وتحرس بوابته.
ففي الوقت الذي تلاحق فيه محكمة الجنايات الدولية قادة الكيان الصهيوني بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وفي الوقت الذي تُدين فيه دول كبرى وجل دول العالم تلك الجرائم، وتدعو إلى الوقف الفوري للعدوان، تأتي مصر لتخالف هذا التوجه العالمي الصريح، وتختار القمع بدل الدعم، والمنع بدل المساعدة، والتضييق بدل الانفتاح.
وللأسف، لم تتوقف عند هذا الحد، بل اختارت الخضوع والانصياع لأقذر رموز الاحتلال، شيطانياهو، ذلك الذي يُعتبر من أقذر القتلة والمجرمين بلا حياء في العالم، فاستسلمت له سياسياً وأخلاقياً، متخلية عن دورها التاريخي وشرفها الوطني والإنساني…
بهذا التصرف المشين، أعلنت السلطات المصرية – دون مواربة – أنها راعيةٌ للصهاينة المجرمين، وظهيرٌ للإبادة الجماعية التي يتعرض لها الأبرياء في فلسطين.
نعم، لقد جعلت نفسها شريكةً بالصمت، بل بالفعل، في جرائم يُرتكب فيها القتل الجماعي للنساء والأطفال، ويُهدم فيها الحجر على رؤوس الآمنين.
لقد سقط القناع، وظهرت الحقيقة: من يمنع قافلة إنسانية عن غزة، إنما يناصر القاتل على حساب الضحية، والمحتل على حساب الأرض والعِرض.
**ألم يكن بالإمكان التصرف بحكمة؟*
حتى لو افترضنا – جدلًا – أن ثمة اعتبارات أمنية أو سياسية معقدة، فهل كان لابد من هذا الاستعراض الفجّ للعنف؟ ألم يكن من الممكن فتح حوار حضاري مع المنظمين؟ تقديم بدائل؟ ترتيب لقاء رمزي يوصل رسالة التضامن بطرق أخرى؟
كل هذه الخيارات كانت متاحة، لكن السلطات المصرية أهملتها لصالح حل أمني أحمق ولصالح الخنوع لشيطانياهو، لا يزيد صورة مصر إلا قتامة، ولا يخلّف سوى السخط والإدانة الدولية.
لقد أهدرت مصر الرسمية فرصة ثمينة لتقديم نفسها كجسر تضامن عالمي، وكمحور إنساني أخلاقي في قلب الأزمة، لكنها اختارت السقوط في مستنقع العصا الغليظة، والقبضة الأمنية، والتماهِي مع منطق الحصار والقتل الجماعي، والخضوع للصهاينة الاشرار.
فهل تظن السلطات المصرية أن ضرب نشطاء أجانب وعرب سيحسّن صورتها؟ أم أن كسر قافلة تضامنية سيعزّز هيبتها؟
الحقيقة أن مثل هذه الأفعال لا تولّد إلا النفور، والعار، والإدانة السياسية والإنسانية في كل محفل. فحين يُضرب ناشط أعزل بالهراوة، وتُكسر رسالة السلام تحت الأقدام، فإن الضرر لا يصيب الضحية وحده، بل يصيب صورة الدولة المصرية وكرامتها، ويفضح هشاشة خطابها السياسي أمام العالم.
إنّ من يمنع الماء والدواء عن غزة، يشارك في الحصار. ومن يقمع من جاء يحمل الدفء والدعم، يقف موضوعيًا في صف القتلة.
* *نداء إلى الشعب المصري: لا تسمحوا بأن يُدنَّس اسم مصر العظيمة :*
أيها الأشقاء في مصر الشقيقة، يا أبناء الكنانة، يا من علّمتم الشعوب معنى الكفاح والكرامة، إن ما جرى على معبر رفح لا يعبّر عنكم، ولا يشبهكم، ولا يمثل وجه مصر الحقيقي الذي نعرفه ونحترمه.
مصر التي نعرفها هي مصر العروبة، مصر عبد الناصر، مصر التي فتحت قلبها وذراعيها لفلسطين، لا التي تغلق الأبواب وتطلق العصيّ على من يرفع راية القدس.
فمن الغباء والعار أن نرى شعوبًا غربية، وأحزابًا غربية، وحكومات غربية تستفيق ضمائرها الإنسانية فتدافع عن الحق والمظلومين الفلسطينيين، ليس لأنهم مسلمون وعرب، بل لأنهم بشر يتعرضون للظلم والقتل والتشريد على يد صهاينة ظالمين لا رحمة في قلوبهم.
وفي الوقت نفسه، نجد من يُفترض بهم أن يكونوا درع الأمة وقلعتها، خاصة حكام مصر وباقي دول الجوار، يتوانون أو يتواطؤون، يختارون السكوت أو القمع، ويتحالفون عمليًا مع الجلادين ضد الضحايا.
هذا الوضع لا يمكن أن يستمر، وشعب مصر العظيم مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى أن يستفيق، أن يرفع صوته، وأن يتحرك بكل الوسائل المشروعة للدفاع عن الحق والإنسانية، ليرد اعتبار أمته ويستعيد دور بلاده التاريخي العظيم في نصرة المظلومين وتحقيق العدالة.
إخواننا في مصر العظيمة، نناشد ضميركم الحي:
لا تتركوا السلطة تُلصق بكم هذا العار. لا تسمحوا بأن يُشوَّه اسم مصر أمام العالم. ارفعوا أصواتكم، واكتبوا، واحتجوا بطرق لا تؤدي للفتنة الداخلية، وذكّروا من يحكم أن مصر ليست خندقًا لحماية القتلة، بل كانت دومًا درعًا للمظلومين.
حان الوقت اليوم لكي ترفعوا صوتكم بكل قوة ووضوح، بلا مواربة ولا تردد:
• مصر ليست بوابة للصهاينة، ولن تكون ذراعًا تحمي حدودهم!
• مصر ليست العصا التي تُسحق بها أحلام المتضامنين المظلومين، بل هي اليد التي تمتد بالحب والدعم لأشقائها، ولو بكلمة شجاعة وموقف لا يلين.
فلسطين وكل أحرار العالم ينتظرون منكم أن تكونوا الحصن المنيع، وأن ترفعوا راية الحق والحرية عالياً.
كونوا كما عهدناكم، في صفّ الحرية، لا في صفّ الحصار.
لا تتركوا الفرصة تفوتكم، فالتاريخ لا يرحم المتخاذلين، والأمة بحاجة إلى شجعان يقفون في وجه الظلم!
* *في الختام:*
ما جرى في حق قافلة “الصمود” لم يكن مجرد خطأ سياسي عابر أو إخفاق لحظي، بل جريمة أخلاقية موصوفة، ووصمة عار ستبقى تلاحق من اختار الاصطفاف مع الجلادين ضد الضحايا، ومع القتلة ضد الأبرياء العزّل، وخزي لن يُمحى من الذاكرة الإنسانية.
لقد سقطت كل الأقنعة، وانهارت كل الشعارات الجوفاء عن الدور والمكانة، وسُحقت تحت أقدام العنف آخر ذرة من الاحترام للموقف الرسمي المصري في أعين العالم.
وانكشفت الحقيقة الجارحة: أن السلطة الرسمية في مصر باتت، للأسف، أداةً طيّعة في يد الاحتلال، تمارس القمع نيابةً عنه، وتمنع كسرة الخبز وجرعة الدواء عن المحاصَرين، بينما تتغنّى بخطابات السيادة والدور الإقليمي.
لقد كان في وسع مصر أن تتصرف بحكمة، أن تكون جسرًا لا حاجزًا، صوتًا لا صمتًا، ضميرًا لا عصا. لكن السلطات اختارت أن تصفع الضمير العالمي على وجهه، وأن تصفع نفسها أولًا قبل غيرها.
*لكن يبقى الأمل معقودًا عليكم أنتم، أبناء الكنانة الأحرار،* من لا يرضَون الظلم ولا يخضعون للجور، حراس التاريخ والكرامة، من سُطّر اسمهم في سجل المقاومة من السويس إلى سيناء، من ضمير نجيب محفوظ إلى نداءات الشيخ الشعراوي…
لا تسمحوا بأن يُدنَّس اسم مصر، لا تتركوا التاريخ يُكتب بأن أمهات غزة نُكل بهن على يد أشقاء دمهن في عروقكم.
ارفعوا صوتكم… لا لأجل غزة فقط، بل لأجل مصر نفسها، لأجل تاريخها، وكرامتها، ودورها الذي لن تعيده السلطة، بل أنتم من تعيدونه، من أجل صورتها، من أجل أن تبقى كما كانت: درع العروبة وضمير الأمة..
قولواها بلا خوف ولا تردد:
*”لسنا بوابةً للاحتلال، ولا حارسًا لحدوده، نحن مصر… قلعة للكرامة، وراية للحق، وصوت لا يُقمع!”*
وختامًا، نقولها بملء الفم واليقين: *”والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.”*
ولكم مني جزيل الشكر والامتنان والتقدير والإحترام.


