
السفير 24
في كل محطة انتخابية يشهدها المغرب، تتجدد النقاشات حول نزاهة العملية الديمقراطية، ومدى تأثير العوامل الاجتماعية والثقافية في تشكيل سلوك الناخب. من بين هذه العوامل، تبرز الأمية كإحدى الإشكاليات البنيوية التي لا تزال ترخي بظلالها على الممارسة الانتخابية، سواء على مستوى الوعي السياسي أو نمط التصويت. فرغم الجهود المتواصلة لمحاربة الأمية، لا تزال نسبتها تبلغ حوالي 24.8 % من مجموع السكان البالغين، وهي نسبة مرتفعة نسبياً في دولة تسعى لترسيخ ثقافة المواطنة الفعالة.
في هذا السياق، يثار سؤال مركزي يتعلق بالمنظومة القانونية والتنظيمية التي تُشرف عليها وزارة الداخلية، خاصة فيما يتعلق باستخدام الرموز الحزبية في أوراق التصويت. فهذه الرموز التي كانت تهدف في الأصل إلى تسهيل مشاركة الناخبين الأميين، أصبحت اليوم، بحسب عدد من الباحثين، إحدى الوسائل التي تساهم في تشويه السلوك الانتخابي وتحفيز شراء الأصوات، حيث يتحول الرمز إلى سلعة يتفاوض عليها وسطاء الانتخابات، بعيداً عن أي مناقشة للبرامج أو المشاريع المجتمعية.
المفارقة هنا أن استمرار استعمال الرموز الحزبية يُستخدم كتبرير تقني لمراعاة فئة الأميين، غير أن الواقع يُظهر أن هذه الرموز أصبحت تُستغل لإعادة إنتاج نفس النخب، وتمييع المشهد السياسي، من خلال التوجيه المسبق لعملية التصويت، وجعلها خاضعة لاعتبارات غير عقلانية، بما في ذلك الولاءات القبلية أو الإغراءات المادية. وهو ما يتناقض بشكل صارخ مع روح الديمقراطية التي تقوم على حرية الاختيار المبني على قناعات عقلية وبرامج واضحة.
العديد من المراقبين يرون أن وزارة الداخلية، وهي الجهة المشرفة على الانتخابات، مطالبة اليوم بفتح نقاش وطني جاد حول جدوى الإبقاء على الرموز في اللوائح وأوراق التصويت. فالديمقراطية لا تُبنى على مسايرة واقع الأمية، بل على مشروع وطني يروم تجاوزها، عبر تسريع برامج محو الأمية السياسية والمعرفية، وتعميم التثقيف المدني، وتمكين المواطنين من آليات الاختيار الواعي.
من الناحية الدستورية، المغرب صادق على عدد من المواثيق الدولية التي تربط بين الديمقراطية والتنمية والحق في المشاركة السياسية الواعية. غير أن الحفاظ على آليات انتخابية تستبقي الناخب في موقع التبعية، بدل الارتقاء به إلى موقع الفاعل السياسي، يُعد من مظاهر المحافظة المؤسساتية على الهشاشة الديمقراطية، ويهدد مصداقية الاستحقاقات المقبلة، خاصة في ظل تراجع منسوب الثقة في السياسة والأحزاب.
إن الإصلاح الحقيقي يمر عبر الجرأة في مراجعة نمط الاقتراع، وتبني أدوات تضمن التصويت على البرامج لا على الرموز، إلى جانب ربط ذلك بإصلاح عميق في التعليم ومحاربة الأمية، باعتبارها شرطاً أساسياً لمواطنة فعالة. كما أن تجاوز الرهان على الكمّ الانتخابي لصالح النوعية السياسية سيعيد الاعتبار لصندوق الاقتراع كآلية للتغيير، لا كأداة لإعادة إنتاج الرداءة.
باختصار، لا يمكن الحديث عن انتخابات نزيهة ما دام الناخب يُدفع إلى صناديق الاقتراع لاختيار رمز لا يعرف عنه شيئاً سوى شكله أو لونه. ومادامت وزارة الداخلية لم تتحرك نحو إلغاء الرموز من أوراق التصويت أو التفكير في بدائل أكثر احتراماً لعقل الناخب، فإن الحديث عن ديمقراطية حقيقية سيظل مؤجلاً، ومشروطاً بتحقيق شرط أساسي: التحرر من الأمية، معرفياً وانتخابياً.



