
السفير 24 – الدنمارك: ذ. حيمري البشير
من المؤسف أن يظل بعض الخطابات السياسية في أوروبا، خاصة في الدول الإسكندنافية، تعيد إنتاج مفاهيم الإقصاء والتمييز، من خلال التركيز المستمر على مسألة “الانصهار” و”الاندماج”، بل واتهام الأجيال الجديدة من أبناء المهاجرين بعدم التفاعل الكافي مع المجتمعات التي ولدوا وترعرعوا فيها، كما هو الحال في الدنمارك.
هذه الخطابات، التي توظفها بعض الأحزاب لاستقطاب الناخبين، لا تساهم في بناء مجتمعات ديمقراطية متسامحة، بل تغذي الانقسام وتكرس الإقصاء.
من الضروري أن نطرح سؤالاً أساسياً: إلى متى ستستمر هذه الأسطوانة السياسية التي تُستخدم فقط كوسيلة للوصول إلى السلطة؟ ولماذا تُحمّل المسؤولية دوماً لفئة محددة من المهاجرين دون غيرهم؟ فالغالبية الكبرى من المهاجرين في أوروبا تنتمي إلى دول ذات أغلبية مسلمة مثل فلسطين، العراق، إيران، أفغانستان، وأخرى من شمال إفريقيا. بينما يغيب حضور مواطنين من دول الخليج، رغم امتلاكهم لإمكانات مادية كبيرة، ما يطرح تساؤلات حول دوافع الهجرة التي كانت في الغالب ناتجة عن الحروب والنزاعات.
لقد خلّفت هذه الحروب رواسب نفسية واجتماعية عميقة لدى الجاليات المسلمة، وهو ما يجعل الحديث عن “الانصهار” في المجتمعات الغربية يتطلب فهماً واقعياً ومعالجة عادلة. فعلى سبيل المثال، في الدنمارك، طالبت رئيسة الحكومة الحالية المهاجرين، خصوصاً المسلمين، بالانصهار في المجتمع، مستندة إلى دراسات لباحثين حول واقع الأقليات، خلصت إلى أن المسلمين، رغم تقاسمهم الدين، لا يجتمعون على كلمة سواء، بل يعيشون في تفرقة بين جمعيات ومساجد حسب الجنسيات والانتماءات، وهو ما يضعف أي خطاب موحد يدافع عنهم.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون هي أن الجيل الجديد، المولود في الدنمارك وباقي الدول الأوروبية، يختلف كلياً عن الجيل الأول من المهاجرين. فهو جيل درس في المدارس والجامعات الدنماركية، وتربى وسط أقرانه الدنماركيين، وتشبع بقيم هذا المجتمع أكثر مما ورثه عن آبائه وأمهاته. لذلك من غير المنصف أن يُطلب منه “الانصهار”، وهو في الأصل جزء لا يتجزأ من النسيج المجتمعي.
الاستمرار في ترديد نفس الخطاب على هذا الجيل قد يؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يشعل فتيل التوتر ويغذي الإحساس بالإقصاء، في حين أن المطلوب هو العمل المشترك لبناء مجتمع على أسس المواطنة المتساوية، والتسامح، ونبذ العنصرية والعنف، وقبول الآخر.
لقد تعب الناس من هذا الجدل العقيم، وأصبح من الضروري طي صفحة الخطاب السياسي المتكرر عن “الفشل في الاندماج”، خاصة أن الهجرة إلى أوروبا مضى عليها أكثر من نصف قرن. والسؤال المطروح هو: من يتحمل مسؤولية عدم الاندماج؟ هل هي الجاليات فقط، أم السياسات الحكومية والأحزاب التي فشلت في تدبير شؤون البلاد وإدماج المهاجرين بشكل فعّال؟
للإنصاف، فإن بعض المهاجرين المسلمين يتحملون جزءاً من المسؤولية أيضاً، إذ لم يعملوا على توحيد خطابهم، وظلوا مختلفين حول المساجد والجمعيات والانتماءات، ما أضعف تمثيلهم وتأثيرهم، ودفع الساسة إلى استغلال هذا التشتت للحديث عن الانهيار بدل الاندماج.
لكن هذا الوصف ينطبق في الغالب على الجيل الأول من المهاجرين، وهو جيل بدأ بالانقراض تدريجياً، أما الجيل الجديد فهو يحمل ثقافة دنماركية خالصة، ولا يفكر حتى في العودة إلى “البلد الأصلي”، لأنه ببساطة يشعر بالانتماء الحقيقي إلى الدنمارك، ويرى فيها مستقبله وكرامته، بل ويشعر بالغربة حين يزور بلد آبائه.
ومن الجدير بالذكر أن الحقوق التي يتمتع بها المهاجرون في أوروبا لم يحصلوا عليها في بلدانهم الأصلية، ومنها الحق في المشاركة السياسية، وبناء المساجد، ووجود مقابر خاصة قريبة، وهي مكتسبات يجب الاعتراف بها وشكر المجتمعات المضيفة عليها.
علينا أن نثمن وجودنا في دول تضمن لنا المواطنة الكاملة، وعلينا أن نتوقف عن لوم أنفسنا أو السماح للخطابات العنصرية بإقصائنا، فمستقبل الأجيال القادمة لا يُبنى إلا على أساس العدالة، والمساواة، والشراكة في الوطن.



