
السفير 24 – بقلم: ميلود رقيق – فاعل سياسي ومهتم بالدبلوماسية الشعبية
في زمن فقدت فيه الكلمات معناها، والوقار السياسي هيبته، خرج علينا عبد القادر بن قرينة، في خرجة إعلامية منزوعة الكرامة، ليحاضر في شؤون المغرب ورموزه، مُتقمصاً دور “الغيور على الأمة”، بينما لم يكن سوى صدى باهتاً لصوت جنرالات المرادية.
لسنا في حاجة إلى كثير من الذكاء لندرك أن هذا الرجل لا يتحرك إلا وفق إشارة، ولا يفتح فمه إلا حين يُطلَب منه ذلك، فالرجل لم يكن يوماً صاحب موقف، بل كان قناةً شفويةً لنظام فَقَد شرعيته الداخلية والدولية، وقرر الاستنجاد بالكذب العابر للحدود.
العميل السياسي الأنيق… بلغة الخضوع والتمويه
بن قرينة يُتقن فن اللعب على الحبال: في الداخل يتغزل بـ”الجزائر الجديدة”، ويصف العسكر بـ”الأسود”، رغم أنه يعلم أن أولئك الأسود نهشوا لحم الحراك الشعبي وكمّموا أفواه آلاف الشباب في الزنازين.
وفي الخارج، يحاول التذاكي بلهجة دبلوماسية رخوة، بينما يوجه تحريضاً صريحاً ضد المملكة المغربية، مدعياً نصرة فلسطين، وهو العاجز حتى عن دعوة لمسيرة واحدة في شوارع الجزائر، حيث تُمنع أي وقفة دون إذن أمني موقع بختم شنقريحة.
سر انبطاحه؟ التفاوض على الحصانة
ما لا يعرفه الكثيرون، أن عبد القادر بن قرينة سبق وهدد من داخل النظام نفسه بسبب ملفات فساد مالي داخل تنظيمات موازية جمعوية ودعوية كانت ممولة من الخارج، وأحد شروط “بقاءه السياسي” كان التوقيع على ميثاق “الولاء الصامت” للعسكر.
منذ ذلك اليوم، صار بن قرينة رجل المهام القذرة: يهاجم الحراك حين يُطلب منه، ويدافع عن الجنرالات حين تُشتد عليهم الحلقات الدولية، ويهاجم المغرب كلما احتاج النظام إلى خلق عدو خارجي وهمي ليُبعد الأنظار عن الداخل المتآكل.
لماذا لم يتحدث عن المسيرات الغائبة؟
في خرجته الأخيرة، بدا بن قرينة مرتبكاً، قلق العينين، متلعثماً في كلماته، وتجنب أكبر سؤال أخلاقي: أين هي مسيرات نصرة فلسطين في شوارع الجزائر؟ أين الشعب الذي “يعشق المقاومة” كما يدعي؟
الجواب بسيط: لا يُسمح لها. لأن النظام، الذي يرعى البوليساريو ويغسلها في أروقة الأمم المتحدة، لا يتحمل أن تخرج جماهيره وتهتف بشعارات لا يسيطر عليها و لهذا استبدلوا المسيرات الشعبية ببث مباشر لبن قرينة، يوزع التهم ويحرض على المغرب باسم “القضية”.
قناع المقاومة… يغطي وجهاً منبطحاً
حين يتحدث عبد القادر بن قرينة عن “أخلاقيات” الأمة و”مبادئها”، نسمع في الخلفية صوتاً آخر: صوت عسكري يُملي عليه عبارات جاهزة، ويطالبه بتسويق الأكاذيب كحقائق، والتطاول على سيادة الجيران كـ”موقف سياسي مشروع”.
والسؤال الحقيقي هو: هل يملك هذا الرجل الشجاعة ليتحدث عن الانقلابات التي ترعاها الجزائر في دول الجوار؟ هل يجرؤ على مساءلة دور بلاده في زرع الفوضى في ليبيا، أو دعم ميليشيات في الساحل، أو تسليح البوليساريو بتقنيات إيرانية؟ بالتأكيد لا.
و عليه ، ما قام به بن قرينة لا يُفاجئ من يعرف تاريخه القريب. لكنه يُسجل كوثيقة إضافية في سجل النظام الذي لم يعُد يكتفي بخرق السيادة، بل صار يستعمل أشباه السياسيين كذراع إعلامية موازية لضرب استقرار المنطقة.
وإذا كان بن قرينة يعتقد أن المغرب سيُردع بكلمات مرصوصة من وراء شاشة، فعليه أن يعلم أن المملكة ليست بصدد الرد على الخطب… بل تكتب التاريخ بالثوابت والحقائق، لا بالانبطاح والخضوع.



