السفير 24 – بقلم: د. ساجد المصطفى
أضحى الشغل الشاغل حاليا للرأي العام المحلي بمدينة بنسليمان هو لائحة الجمعيات المستفيدة من المنح المرصودة من طرف المجلس البلدي بنسليمان، هذه اللائحة التي يتم نشرها على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي.
منذ السنوات الأخيرة، بدأت تتفشى الصراعات والطموحات المبالغ فيها للاستفادة من الدعم المالي والمنح من طرف الجمعيات بالمدينة.
بينما في جميع الدول، الجمعيات تمول بمساهمات المنخرطين وبالهبات والمساعدات، وأن الجمعيات الجادة لا تقبل منح ودعم مادي من جهات لا تعير أدنى اهتمام لتنمية المدينة وللحاجيات الأساسية والمشروعة لساكنتها. فسخاء المنح لجمعيات معينة وتعليف البعض منها له علاقة بالولاءات الانتخابية والمراهنة على رؤساء الجمعيات المستفيدة وأعضائها لتسديد خدمات المواكبة والتلميع وللعب أدوارا معينة خدمة لأجندة أولياء النعمة كتجييش المواطنين في محطات معينة أو لمقاومة الفعاليات الجمعوية والحقوقية الجادة التي يصعب تدجينها واستقطابها من طرف السلطات العمومية المنتخبة وغير المنتخبة.
فالتهافت الغريب على الاستفادة من المال العام، الذي يتم صرفه من طرف المجلس البلدي لبنسليمان، يطرح عدة أسئلة وهواجس لدى الرأي العام المحلي الذي يرى في هذا التهافت على المنح هدرا للمال العام، بالرجوع إلى عمل هذه الجمعيات والذي غالبا ما يكون أثره منعدما و ضعيفا على المحيط الاجتماعي والبيئي والثقافي والرياضي، وأن المفعول يبقى منحصرا في حدود إرضاء أعضاء الجمعيات وخصوصا رؤساءها.
فسخط الساكنة وعموم المواطنين اتجاه القرارات غير المبررة، والتي تفتقد الى الموضوعية، يجد تفسيره من جهة في أن المال العام للمجالس الجماعية يمول أساسا عبر المساهمات الضريبية (Contributions fiscales) من طرف السكان، ومن جهة أخرى أن هذه الساكنة لا تلمس أثارا إيجابية للعمل الجمعوي على حياتها اليومية وعلى متطلباتها الرئيسية على مستوى التنمية المحلية، طبقا لمبدأ التكافؤ بين الاقتطاعات الضريبية والخدمات الممنوحة. (Le non respect du principe de l’équivalence entre les impôts perçus et les prestations offertes)
وفي قراءة للمستفيدين من المنح، نستخلص عدة إشارات وتفسيرات للعوامل المتحكمة في المنح المرصودة من طرف مجلس جماعة بنسليمان، بحيث أن هناك عوامل مرتبطة بالولاءات الانتخابية وبالمراهنة على نماذج احترفت الاسترزاق وتقديم خدمات التلميع والتجييش لصالح مخططات واستراتيجيات أولياء النعمة من سلطات محلية ومجالس منتخبة.
كما أن هناك عوامل ذات ارتباط بنهج سياسة الاحتواء والاستقطاب لإسكات نماذج معينة وشراء صمتها للتغاضي عن سلك طريق التنديد والفضح وعن التصدي، من زاوية العمل السياسي والحقوقي والصحفي، لكل الممارسات والقرارات والأساليب التي ينجم عنها مسا خارقا لمبادئ تكافؤ الفرص والصالح العام وأضرارا للتنمية المحلية وكذا لحقوق الساكنة. يستعصي، على ذوي القرار وذوي التأثير، تعليل وتبرير منح متباينة جدا لصالح جمعيات معينة وبإقصاء أخرى، خاصة وأن ساكنة المدينة لا تلمس بتاتا أثارا إيجابية للعمل الجمعوي وذا منفعة على حياتهم اليومية.
فالتدبير العمومي يصبح ذا خطورة عندما يرتبط بمنطق المحاباة والولاءات و الابتزازات أو بمنطق القرب من دوائر ودواليب النفوذ والسلطة والمسؤوليات، ذلك أن غياب مبادئ مساواة الجميع أمام الحقوق والواجبات، وعدم التفعيل الصارم لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، له عواقب وخيمة على الحقوق وعلى العيش المجتمعي في إطار مواطنة حقة.
فمن خلال قراءة المبالغ المرصودة لمنح جمعيات معينة، يلاحظ هناك تباينات مبالغ فيها في ما يخص الدعم المالي للجمعيات المستفيدة، بحيث أن هناك بعض الجمعيات، التي صرفت لها حصة الأسد مقارنة مع منح جمعيات أخرى تم إرضاؤها فقط وإسكاتها. فهناك جمعيات استفادت من منح ذات مبالغ ما بين 100000 و 2400000 درهم، وأن الحد الأدنى لهذه المنح هو في حدود 5000 درهم وأن عدد الجمعيات المستفيدة من الدعم المالي يناهز 80 جمعية.
فما هي دوافع هذه التباينات لتعليف بعض الجمعيات وإقصاء جمعيات أخرى عبرت عن استياءا عارما وغضبا شديدا اتجاه هذه الممارسات المتسمة بالمحاباة و “بزبونية الدعم”؟
فالتجارب السابقة، فيما يخص منح المجلس البلدي للجمعيات، أوضحت أن أهداف إستراتيجية المنح والدعم المالي ليست هي خدمة التنمية المحلية وتلبية حاجيات الساكنة، بقدر ما هي تسعى الى تشجيع مجتمع مدني استرزاقي يسدي خدمات البهرجة والتلميع ومواكبة سياسات ومخططات أولياء النعمة وذوي النفوذ الإداري والسياسوي والانتخابوي والاقتصادي.
أن من الجمعيات المستفيدة هناك رؤساء مقربين حظوا بمنح لاعتبارات لا علاقة لها بالعمل الجمعوي، وهي تبقى في دائرة المكافآت الخاصة للمراهنة على دورها في محطات معينة كخدام أوفياء يتم استنفارهم عند الحاجة لإرجاع المصعد لأولياء نعمتها. كما أن سجلها خال تماما من الأنشطة الفعلية الإشعاعية لفائدة المدينة وذات منفعة على الساكنة. فبما أن هناك اقصاءا ممنهجا لمجموعة من الجمعيات، فهذا يدل على أن منطق “محاباة رأس الزبون هو مرجح الكفة الحاسم في التأشير على الاستفادة من المنح لجمعيات معينة”.
وبالرجوع الى محضر هذه الوزيعة المثيرة للشبهات وللتعاليق و ردود الأفعال المتباينة يلاحظ أن عملية تمرير الوزيعة تمت عبر تعبيد الطريق عندما لجأ الأعضاء الغاضبون الى ممارسة سياسة الكرسي الفارغ لمغادرة القاعة والانسحاب عوض ممارسة الحق في معارضة جادة بالتصويت ضد هذه الوزيعة، مفسحين المجال على مصراعيه للخطة المحبوكة والسيناريو المطبوخ. دون أن نغفل ملاحظة أخرى في غاية الأهمية والمتعلقة بتنظيم التظاهرات والمهرجانات، حيث جرت العادة أن منح الدعم مرتبطة بتسطير البرنامج فقط وفق أجندة محددة على اعتبار أن الجماعة الترابية ما هي إلا مستشهر من بين العديد من المستشهرين.
وسجل تاريخيا بأن المنح السنوية تمنح بالتساوي وبشكل رمزي، عوض العمل على تمتيع بعض الجمعيات بالمنح وهي تحظى مسبقا بدعم المستشهرين مما يجعلها تستفيد ضمنيا من عائدات مهمة وإضافية.
ماذا ينتظر من جمعيات مجتمع مدني خدماتي تربط تواجدها وأهدافها بالظالم والمتعسف والناهب وتترجى التمويلات والدعم من الجهات المهيمنة والغير مبالية تماما بالتنمية والديمقراطية، وذلك لمواكبة تدبير عمومي يخدم مصالحها وأهدافها لاستمرارية الاستحواذ على السلطة والثروة.
ماذا قدمت هذه الجمعيات للمدينة وساكنتها التي تعيش في مجال حضري يفتقر لأبسط شروط الحضارة والتمدن.
مجموعة من المشاكل، كضرب رونق المدينة وفقدان روحها ونظافتها، وكذلك تنامي ظاهرة الباعة الجائلين و احتلال الأزقة والأرصفة، تجد تفسيراتها في الصفقة المشبوهة لتفويت العقار الشاسع الذي كان مخصصا، منذ 1963، للسوق الأسبوعي لشركة العمران، هذا المكان الذي أصبح، منذ سنة 2007، بؤرة سوداء تزيد من تشويه المجال الحضري ومن استفحال عدة مشاكل وظواهر مرتبطة بهذا التفويت، كالتشريد الاجتماعي للباعة، خاصة في ظل غياب البديل وعدم إعطاء الاهتمام اللازم والمشروع لتنظيم القطاع التجاري ودفع المواطنين في اتجاه احتراف أنشطتهم بالاقتصاد غير المهيكل.
أين هي فعاليات المجتمع المدني، كقوة ضاغطة اتجاه تفويتات الافتراس العقاري وكل ما يصاحب ذلك من إيتاوات وامتيازات؟ لماذا تتقاعس هذه الفعاليات الجمعوية وتلتزم الصمت والاستقالة عندما يتم تشريد العائلات والتنكيل بحقوقهم ومتطلباتهم؟
المفروض في فعاليات المجتمع المدني أن تضغط بقوة في اتجاه تنظيم أسواق خلال أيام الأسبوع وفي مدد زمنية مضبوطة، كما هو الحال في مجموعة من الدول، وذلك لتفادي الظواهر السلبية الناجمة عن أنشطة الاقتصاد غير المهيكل، ولتمكين الباعة من مزاولة تجارتهم في ظروف ملائمة بدون مطاردات واستفزازات وتنكيلات وتخريبات لممتلكاتهم.
في هذا الإطار، يجب الإشارة أن السوق النموذجي المخصص لإيواء الباعة الجائلين، عبر منحهم محلات لمزاولة تجارتهم، توقفت أشغاله منذ مدة زمنية طويلة، الشيء الذي يطرح عدة هواجس واستياءات حول أسباب هذا التوقف لمشروع اجتماعي ذا منفعة، ليس فقط على الباعة المستفيدين بل على رونق المدينة برمتها.
ما يلاحظ هو أن الإرادة تغيب عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الاجتماعية التي لا تحفز ذوي المسؤوليات لتدبير الشأن العمومي، وأن هذه الإرادة، عكس ذلك، تحضر بقوة عندما يتعلق الأمر ببناء إدارات عمومية أخرى، كمصالح وزارة الداخلية أو المدارس والمعاهد العسكرية، أو بناء ملعب رياضي ارتباطا بتنظيم رياضي دولي (كأس العالم لكرة القدم)، كالملعب الذي يتم تشييده بتراب جماعة المنصورية والذي يعرف أشغالا محتدمة ومتواصلة، من خلال تجنيد موارد بشرية هامة و مادية والعشرات من الشاحنات….
أين هو دور فعاليات المجتمع المدني عندما تقترف تعنيفات واستفزازات وتجاوزات واستغلالات للمسؤوليات من طرف عناصر مصالح وأجهزة وزارة الداخلية؟
الملاحظ هو الصمت التام والخنوع اتجاه الممارسات، لرجال السلطة والمصالح الأمنية والقوات العمومية، التي تضر بحقوق المواطنين كما هو الحال عندما يصبح المواطنون عرضة للتعسفات والاستفزازات ولمظاهر وتصرفات الهيمنة والاضطهاد في ظل غياب الاهتمام بالسياسة الأمنية كما لو أنها سياسة عمومية غير معنية بتحريك آليات الضغط كباقي السياسات العمومية (الصحة، التعليم، السكن، البيئة…)، بل المفروض من الفعاليات الجمعوية والحقوقية والسياسية هو التتبع والدفع في اتجاه أن تخضع السياسة الأمنية، كباقي السياسات العمومية، للمراقبة والمحاسبة وأن تنحو نحو تحقيق الصالح العام وذلك للتصدي لاستغلال المسؤوليات للأغراض الشخصية ولمواجهة كل أشكال التجاوزات والهيمنة في العلاقة مع المواطنين.
غريب أمر عمل الجمعيات باقليم بنسليمان، بحيث أن الهدف الرئيسي لخلق الجمعيات هو الاستفادة من التمويلات ومن الإعانات، وأن مقايضات الأطراف المانحة، لمواكبة أهدافها وتعليماتها، لا تطرح مشكلا، بل تشكل حماسا زائدا للاصطفاف بجانب محطات واستراتيجيات الأطراف والجهات المانحة للتمويلات والامتيازات.
فجل الجمعيات بهذا الإقليم لا تهتم بتاتا بكل ما يقترف من جرائم بيئية، كهدم صخور ضاية بوبو، من طرف المفترس العقاري الرأسمالي الريعي “شمس المدينة”، والتي كانت تشكل معالم تاريخية وأثرية بشهادة أبناء مدينة بنسليمان.
ناهيك عن الاستغلال الفاحش للمال العام وللموارد والثروات الطبيعية للاقليم، كالخيرات الطبيعية المستغلة من طرف أصحاب المقالع، هذه المقالع التي تخلق أضرارا بيئية وصحية كارثية، وكذلك وضعية استمرارية الموارد الغابوية والحفاظ عليها، بدون أدنى مبالاة لمسألة اندثار وقتل هذا المتنفس الطبيعي الذي أصبح عرضة للاستغلال وللافتراس ولمخططات الامتلاك الخاص.
يزخر اقليم بنسليمان بخيرات وثروات طبيعية وعقارية وغابوية وساحلية تجلب أطماع ورغبات الافتراس والاغتناء الفاحش لذوي النفوذ السياسوي والإداري، على المستوى المحلي والمركزي في ظل الزواج الوطيد بين السلطة والثروة.
هذه الجمعيات التي تجعل من المنح والدعم المالي مسألة حياة أو موت، الواجب منها التصدي بقوة لاستغلال مراكز السلطة والمسؤولية، بالمرافق العمومية وبالمؤسسات التمثيلية، لنهب المال العام وللسطو على خيرات الاقليم، ككوارث امتلاك واستغلال الأراضي المسترجعة من طرف نماذج تستمد نفوذها من موقعها بدواليب ودوائر السلطة، هذا النفوذ الذي يشرد العائلات الأصلية ويطردهم من مساكنهم وجدورهم، كحال عائلة مصطفى سرحان، بدوار الردادنة أولاد مالك بتراب اقليم بنسليمان، التي تم طردها من أراضي تستغلها منذ 1922 والتي تعيش حاليا في خيام بلاستيكية بجانب الطريق، وذلك دون اهتمام فعاليات المجتمع المدني بهذه المآسي وهذا الظلم الناجم عن استغلال النفوذ وعن هيمنة وغطرسة فئة تحترف ربط السلطة والنفوذ بالافتراس والسطو على خيرات البلاد بأهداف الاغتناء الفاحش والسريع، وذلك في ظل مناخ سياسي واقتصادي يتسم بسياسة الإفلات من العقاب لذوي النفوذ القوي وبعدم التفعيل الحقيقي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة وأن نظام الامتيازات واقتصاد الريع تم وضعه وتشجيعه لمكافأة ومجازاة “الخدام الأوفياء” وتركهم يوظفون المسؤوليات المنوطة بهم في اتجاه الاستثمارات الخاصة بمنطق النهب والاستحواذ الذي يخلق أضرارا جسيمة على مستوى تشريد الغير وعلى مستوى تكثيف الفوارق الاجتماعية واستنزاف الخيرات وضرب كل متطلبات التنمية على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والبيئي…
البلاد ليست في حاجة الى مجتمع مدني يلمع الصورة أو مواكب لممارسات النهب والهيمنة ولسياسات عمومية تجلد المواطن وتفقره، بل هي ، يعني البلاد، في حاجة الى مجتمع مدني جاد وقوي ملتزم بقضاياها ويحرك كل أدواته وآليات الضغط في اتجاه تصويب السياسات العمومية وفق المصلحة العامة والدفع نحو وضع إطار سياسي ودستوري يستجيب لتطلعات وطموحات المواطنين من خلال الإقرار الحقيقي والتام لمبدأ فصل السلط والقطع مع ممارسات العهود البائدة لفصل السلطة عن الثروة، ولربط جميع السياسات العمومية بإرادة المواطن واختياراته، في ظل ديمقراطية حقيقية ومواطنة حقة بالمفهوم الكوني.
أستاذ بكلية الحقوق بالمحمدية*



