
السفير 24 – بقلم :ذ. المصطفى ساجد
ومع ارتفاع وثيرة الفساد الكارثي تخضع مجموعة من الجماعات الترابية لزيارات لجن التفتيش والمجلس الأعلى للحسابات للتدقيق في الاختلالات المالية والإدارية، يجب لفت انتباه هذه اللجن الى أن خيوط الفساد متشعبة ويجب ان تطال ليس فقط رؤساء الجماعات والمنتخبين، وإنما التدقيق في مدى مسؤولية السلطات الإقليمية في هذا الفساد الكارثي وفي استغلال مراكز النفوذ من خلال وصايتهم وعلاقتهم الأخطبوطية (سلطات إقليمية ومحلية، منتخبون، أصحاب الشركات والمشاريع وذوي النفوذ الاقتصادي..)، خاصة وأن التقارير المنجزة في هذا الصدد من طرف لجان وزارة الداخلية والمجلس الأعلى للحسابات، ظلت سابقا حبيسة الرفوف دون تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة لتترك الأمور رهينة العبث بالمسؤولية للاغتناء دون حسيب ولا رقيب.
وعليه، فمجموعة من الفعاليات الحقوقية والسياسية ومعهم عموم المواطنين يتساءلون عن مصير تقرير المجلس الأعلى لسنة 2012، والذي أتى على ذكر نماذج عرفت باستغلالها لنفوذها على مستوى عمالة اقليم ابن سليمان، وثم عرضه على القضاء بناء على طلب إحالته من طرف فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان بابن سليمان، يجب التدقيق في ممتلكات العمال، الذين تعاقبوا على شغل المسؤولية بهذا الاقليم المتخبط في التهميش و الإقصاء من ثمرات النمو وخيراته ومن الاستثمارات المنتجة و استثمارات إنتاج الإنسان.
ما يثير الاستغراب هو أن ساكنة الإقليم، وحتى الفاعلين في الحقل السياسي والحقوقي والاعلاميين، يربطون مسألة تنمية الإقليم بإرادة عامل أو والي، عبر الرجاء والمطالبة بتعيين مسؤولين يخدمون مهامهم بكل تفان واستقامة وعدم استغلال المناصب للأغراض الشخصية. يجب التوضيح أن الولاة والعمال ما هم إلا ممثلين لوزارة الداخلية رغم اختصاصات تتجاوز هذا القطاع، و تدخل في شؤون قطاعات أخرى من خلال التأشيرات على الرخص والاستفادات الممنوحة.
فالتنمية لا يمكن ربطها بإرادة وحزم مسؤول معين، بل تتأثر بعوامل عديدة ومتشعبة على المستوى المحلي والوطني والدولي.
نستغرب كيف أن فعاليات حقوقية وجمعوية وإعلامية تستنجد بوالي لمطالبته بالتدخل في أمور وأعمال من اختصاص الهيئات المنتخبة والمجالس الجماعية، علما أن المبدأ الديمقراطي ينص على أنه لا سلطة في غياب تفويضها من طرف المواطنين ولا ديمقراطية حقيقية في ظل سلط منفصلة عن إرادة المواطنين ومبتغياتهم. عوض تحريك آليات الضغط والعمل على الحد من سلطات الوصاية ومن هيمنتها ومن استعراض عضلات السلطة الإقليمية والمحلية لتخريب ممتلكات الغير وتشريد الباعة والهدم بمنطق القوة والتسلط، نلاحظ عكس ذلك، بحيث أن فعاليات المجتمع المدني والسياسي والإعلامي تطالب بتكثيف الوصاية على المنتخبين وتمجد تدخلات السلطات غير المنتخبة وتلمع صورتها وتعلق آمال التغيير على عاتق هاته السلطات.
أين نحن من شعارات المنطق التشاركي الذي ينص على إشراك جميع الفاعلين المعنيين بإنتاج السياسات العمومية في اتخاذ القرارات عندما تلجأ السلطة الإقليمية والمحلية الى الاعتداء الشنيع على ممتلكات الغير في غياب المعنيين بالخسائر، والتنكيل الحقوقي وفي تغييب الفعاليات الجمعوية التي تمثل المصالح المشتركة؟
فما هي أسباب ومفسرات سكوت الفعاليات الحقوقية والسياسية اتجاه ما يقترف من اعتداءات على ممتلكات الغير بشاطئ الداهومي من طرف السلطات الاقليمية والمحلية، علما أن الاحتلال المؤقت يهم جميع الشواطئ بالساحل الممتد من جماعة شراط حتى جماعة المنصورية في حدود جماعة المحمدية؟
فالسياسات العمومية تنتج من طرف الادارات العمومية التي تنقسم الى ثلاث أنواع:
الادارات العمومية المركزية (Administrations publiques centrales) والإدارات العمومية المحلية (Administrations publiques locales ) والتي تمثل الجماعات الترابية (الجهات، المجالس الحضرية و القروية ومجالس الاقاليم والعمالات) وإدارات الرعاية الاجتماعية (Administrations de sécurité sociale) والتي تعنى بالحماية ضد الأخطار الاجتماعية بتوفير الحق في التقاعد والتغطية الصحية والتعويضات العائلية والحق في دخل أدنى، الخ.
بالرجوع الى الاقتصادي الامريكي ريتشارد موسغريف (Richard Musgrave) فالدولة لها ثلاث مهام وأنشطة: مهمة توجيه الاقتصاد، (Fonction de régulation de l’économie) مهمة توزيع الثروات (La répartition des richesses) ومهمة تخصيص الموارد وإنتاج الخدمات. (affectation des ressources et production des biens et services)
وعليه، فالسلطات العمومية المنتخبة ، على المستوى المحلي، هي معنية أساسا بمهمة إنتاج الخدمات عبر برمجة موارد لهذا الشأن، بحيث أن هذه المهمة هي التي تتحملها، في إطار سياسة اللامركزية، الإدارات العمومية المحلية وخاصة الجماعات الترابية. لا مركزية مهام تخصيص الموارد لإنتاج خدمات عمومية معينة، كالنظافة والإنارة و المرافق الرياضية و الثقافية الخ، تجد تفسيرها في قرب ذوي القرار على المستوى المحلي، من المواطنين و علمهم بحاجياتهم و متطلباتهم اليومية. (Les décideurs locaux sont mieux placés et mieux informés pour répondre aux besoins des citoyens)
أما الإدارات العمومية المركزية، (Administrations publiques centrales) والتي تمثلها، على المستوى المحلي في إطار سياسة اللاتمركز (Déconcentration) إدارات أو مندوبيات تابعة لها وتسهر على تنفيذ قراراتها و تعليماتها فيما يخص مجموعة من القطاعات كالصحة والتعليم والتعمير والأمن والفلاحة والرعاية الاجتماعية، الخ، فهي تهتم بمهمتي توجيه الاقتصاد وتوزيع الثروات.
من هنا يتضح أن تنمية الإقليم هي مسألة ذات ارتباط بعدة عوامل ومؤثرات تتجاوز إرادة أو حنكة مسؤول معين وأنها مرتبطة بعدة أطراف كدور الجماعات الترابية والدولة المركزية على مستوى السياسة الاقتصادية والمالية والاجتماعية من خلال تشجيع الاستثمارات المنتجة للرفع من نسب النمو لخلق الثروة وفرص الشغل، وكذلك طبيعة توزيع الخيرات والثروات، ونمط التوزيع الذي يمكن أن يوضح مدى حرص الدولة على تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية…
فيما يخص التأثير الدولي على التنمية وخاصة على السياسات العمومية، يمكن أن نستدل بتأثيرات تعليمات وتوصيات المؤسسات المالية الدولية، البنك العالمي وصندوق النقد الدولي (…Banque Mondiale, FMI)، التي تفرض على الدول النامية والمتخلفة، الغارقة في المديونية الخارجية، كحال المغرب، تطبيق سياسات تقشفية وليبرالية للحد من تدخل الدولة على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، بهدف تقليص النفقات العمومية وتحقيق التوازنات الماكرواقتصادية. هناك كذلك تأثيرات وضغوطات المنظمات العالمية والمنظمات الغير حكومية فيما يخص مجالات تهم حقوق الإنسان على مستوى الحق في الرعاية الاجتماعية والعيش الكريم ومحاربة الفقر والحق في الصحة، وكذلك فيما يخص الضغوطات على الدولة لاحترام كافة حقوق الإنسان فيما يخص الحريات الفردية والعامة والحد من الاضطهادات والتعنيفات والتعذيب.
السياسات العمومية تتأثر بالمناخ الدولي وبتدخلات المؤسسات الدولية ودورها، من منظمات دولية ومؤسسات المجتمع المدني الدولي (منظمات غير الحكومية…)، هذه التدخلات والتأثيرات تترك آثارها السلبية والايجابية، كضغوطات المنظمات الحقوقية (Human Rights Watch, Amnesty international, FIDH…) بهدف احترام البلد لحقوق الإنسان، وكذا الجمعيات التي تتبرع بمواد وأجهزة لمحاربة الفقر والهشاشة بمناطق معينة، توصيات وتعليمات صندوق النقد الدولي والبنك العالمي… التي تؤثر على السياسة الاقتصادية والاجتماعية للبلد، التقارير السنوية لبرنامج الأمم المتحدة للتنمية (PNUD) التي تعنى بمدى اهتمامات الدول بجانب التنمية البشرية وتصنيفها في إطار مؤشر التنمية البشرية (IDH)، تدخل الاتحاد الأوربي (UE)عبر الإعانات والتمويلات والشراكات مع المغرب وتوجيهات وتوصيات المنظمة العالمية للصحة (OMS)، والتي أثرت بقوة في السياسة الصحية الوطنية خلال الأزمة الصحية العالمية وجائحة كورونا.
وهي المعاناة الحادة والقاسية التي عاش محنها المواطنون عبر فرض الحجر الصحي القاسي الذي ألزم المواطنين المكوث ببيوتهم وتغريم المخالفين والاعتقال، ناهيك عن فرض الحواجز الأمنية والتحجيم من تنقل المواطنين، وهي الجائحة التي أثرت سلبا على حياة المواطنين خاصة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، بحيث أصبحت ظروف عيشهم مزرية بالنظر الى هزالة الدعم المقدم إليهم في هذا الإطار، وقد مس في العمق عدة أنشطة وقطاعات اقتصادية عاشت كسادا واضحا وكذا تسريحات للعمال.
نبهت المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية إبان أزمة وجائحة كورونا إلى أن الدول الأقل ديمقراطية تستغل الوضع لصالحها لتبرير البطش والتسلط وخلق معاناة لدى المواطن بحجة الإجراءات الاحترازية التي حدت من حريات المواطنين.
من خلال ما تم توضيحه، فهناك عدة عوامل وأطراف تؤثر على جميع الجهات والأقاليم فيما يخص الوضع الاقتصادي والاجتماعي والحقوقي.
إلا أن المشاكل والمعاناة تتفاقم وتزيد حدة على مستوى بعض الأقاليم المهمشة، كحال إقليم بنسليمان، عندما يتم استغلال المسؤوليات والعبث بها من طرف السلطات المنتخبة وغير المنتخبة التي تنهب خيرات وثروات الإقليم داخل منطق الاستغلال والنهب دون المراعاة للحاجيات القروية والحضرية للساكنة ومتطلبات التنمية الشاملة.
فالأطماع في خيرات إقليم بنسليمان، على مستوى الاستفادة من الأراضي المسترجعة وتراخيص مقالع الأحجار والرخام… وامتيازات الاستثمارات والمشاريع العقارية، تجذب أشخاص ذوي نفوذ أقوى من المنتخبين وممثلي وزارة الداخلية بالإقليم من عمال وولاة، بحيث أن السلطات الإقليمية ورؤساء الجماعات الترابية يؤشرون بدون ممانعة أو نقاش على طلباتهم ومشاريعهم الريعية المدرة للثروة الفاحشة والسريعة.
فالسلطة الإقليمية والمحلية ببنسليمان تسعى دائما، وذلك منذ الستينات الى يومنا هذا، الى خلق مجالس جماعية، حضرية وقروية، على مقاس أهداف معينة لخدمة أجندة بعيدة كل البعد عن تحقيق الصالح العام.
خلال الاستحقاقات الانتخابية، فالهاجس الرئيسي لذوي المشاريع الاقتصادية الريعية الكبرى و ذوي النفوذ الإداري، على المستوى المركزي والمحلي، يكون هو التمكن من فرز مجالس جماعية برؤساء يتم تحريكهم لقضاء أغراض ذوي النفوذ الإداري والاقتصادي بدون أية ممانعة أو رفض التأشير على طلباتهم وكل ماله علاقة بنظام الامتيازات والتسهيلات والاستثناءات.
التوريط للتلطيخ لا يقتصر على رؤساء وأعضاء مجالس جماعات أقاليم معينة، إلا أن الفظاعة وغياب الصرامة والحزم في تحمل المسؤوليات تزداد حدة عندما يتصرف رؤساء الجماعات كما لو أن المصلحة العامة لا وجود لها، وأن الاستغلال الشخصي للمسؤولية هو الحافز الوحيد لتحملها، وبالتالي لقضاء أغراضهم ومآربهم الضيقة، يصبحون كالكراكيز Marionnettes خدمة لتعليمات وتوصيات السلطة الإقليمية والمحلية التي تلجأ حتى الى منطق الضغوطات والتنبيهات لدفع رؤساء الجماعات للرضوخ الى الاملاءات كالتأشير على الاعفاءات الضريبية لأصحاب المشاريع الريعية الضخمة، كحال المشروع العقاري “شمس المدينة” وعلى التراخيص (المقالع، بناء المشاريع العقارية ..)، الخ
والمؤسف أن إقليم ابن سليمان، بالنظر الى الطعون المتكررة في مصداقية الانتخابات، خاصة على مستوى البرلمان. والمرتبطة بالفساد وشراء الذمم، أصبح نموذجا في الفساد الانتخابي والسمسرة التي تبخس قيمة الإنسان وتحط من كرامته ومن طبيعة الوضعية الاقتصادية والاجتماعية والتهميش المجالي، وبالتالي يحرص المستفيدون من المنتخبين والسلطات الإقليمية والمحلية على استغلال المواطنين استغلالا بشعا لظروفهم الاجتماعية وهشاشة حقوقهم في ظل ارتفاع نسبة الفقر المذقع والأمية وغياب الوعي السياسي.
يتبع..



