
السفير 24
شهدت مدينة الفنيدق يوم 15 شتنبر 2024 محاولة غير مسبوقة لهجرة جماعية، حيث اندفع المئات من الشباب نحو الحدود مع مدينة سبتة المحتلة، هذا الحدث أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والشعبية المغربية، نظراً لتوقيته ودوافعه التي تبدو مدروسة بعناية من أطراف معادية لاستقرار المملكة.
وحسب مصادر أمنية ومتابعون للشأن الوطني، أشاروا إلى وجود أصابع خارجية تسعى لاستغلال الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المغرب كباقي دول العالم. وبحسب العديد من التقارير، فإن أجهزة المخابرات الجزائرية، المعروفة تاريخياً بعدائها للوحدة الترابية للمملكة، لعبت دوراً محورياً في تأجيج هذا التحرك الجماعي من خلال حملات تشويه على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث سعت هذه الجهات إلى الترويج لفكرة الهجرة الجماعية كوسيلة للضغط على السلطات المغربية وخلق نوع من البلبلة في الشمال المغربي، وهي منطقة استراتيجية تظل تحت أعين أطراف تسعى دائماً لزعزعة الاستقرار.
كما تأتي هذه الأحداث في سياق سلسلة من المحاولات الخارجية للتأثير على استقرار المغرب، لا سيما في ظل الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها المملكة على الصعيدين الإقليمي والدولي. إذ تعتبر الجزائر، عبر نظامها العسكري المعروف بـ”الكابرانات”، من أبرز الأطراف التي تتضرر من هذه النجاحات المغربية، سواء في قضية الصحراء المغربية أو على مستوى استقطاب الاستثمارات الكبرى.
كما لا يمكن إنكار أن المغرب، مثل باقي الدول، يعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة نتيجة تداعيات الأزمات العالمية المتتالية، من جائحة كوفيد-19 إلى الحرب في أوكرانيا التي أدت إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية عالمياً. هذه الأزمات عمقت من مشاكل البطالة والفقر في بعض المناطق المغربية، وهو ما جعل الشباب في المناطق الحدودية مثل الفنيدق يبحثون عن فرص جديدة قد تكون في الهجرة غير الشرعية.
لكن محاولة استغلال هذه الأوضاع لتأجيج الفتن وتوجيه الأنظار نحو مخططات هجرة جماعية ليس إلا واجهة لتحركات خفية، تقف خلفها جهات داخلية وخارجية تسعى لضرب استقرار المغرب وتشويه صورته على المستوى الدولي.
مرة أخرى، برهنت الأجهزة الأمنية المغربية على جاهزيتها وحنكتها في التعامل مع مثل هذه المخططات. بفضل التدخل السريع والمنظم، تمكنت السلطات من إفشال هذا المخطط دون اللجوء إلى العنف، حيث قامت بتهدئة الوضع في مدينة الفنيدق وإقناع العديد من الشباب بالعدول عن مغامرة الهجرة غير الشرعية عبر البحر، التي كان من الممكن أن تؤدي إلى كوارث إنسانية.
هذه الجهود تأتي في إطار استراتيجية مغربية شاملة تهدف إلى ضمان الأمن والاستقرار في مختلف المناطق، بما في ذلك الحدود الشمالية، التي كانت دائماً عرضة لمحاولات التأثير الخارجي.
ولتجنب تكرار مثل هذه المحاولات، يتعين على الحكومة المغربية تبني عدة إجراءات.
أولاً، تعزيز التنمية الاقتصادية في المناطق الحدودية يتطلب تكثيف الجهود لتنمية مناطق مثل الفنيدق وتوفير فرص عمل للشباب. المشاريع التنموية التي أطلقتها المملكة في السنوات الأخيرة يجب أن تستمر وتتعزز، لضمان تحقيق العدالة المجالية.
ثانياً، محاربة الأخبار المزيفة والتوعية عبر وسائل الإعلام. يجب على السلطات المغربية الاستثمار أكثر في حملات التوعية والاتصال الجماهيري، لتفادي الوقوع في فخ الأكاذيب والأخبار المسمومة التي تروجها الجهات المعادية.
ثالثاً، تعزيز التعاون الأمني مع الدول الصديقة. لمواجهة التحديات التي تشكلها الهجرة غير الشرعية والتهديدات الأمنية، يجب تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي مع الدول الأوروبية والجيران الإقليميين.
رابعاً، إشراك المجتمع المدني والسياسي. من الضروري أن تتفاعل الأحزاب السياسية وجمعيات المجتمع المدني بشكل أكبر في تأطير الشباب وتوجيههم نحو فرص بناء مستقبل داخل المغرب، بدل الهروب نحو المجهول.
كما أن الجهات التي تسعى لتشويه صورة المغرب تتنوع بين أطراف خارجية وداخلية، فالجزائر تظل أبرز الفاعلين الخارجيين الذين يسعون بشكل دائم إلى تقويض نجاحات المغرب، لا سيما بعد النجاحات الدبلوماسية المتتالية للمملكة في قضية الصحراء المغربية. في الداخل، هناك بعض الأطراف التي تستغل الظروف الاقتصادية الصعبة لتحقيق أهداف سياسية أو اقتصادية ضيقة، متجاهلة المصلحة العليا للوطن.
إن محاولة الهجرة الجماعية من الفنيدق هي جزء من تحديات متعددة تواجهها المملكة، لكنها ليست تحديات لا يمكن التغلب عليها. بفضل الحكمة والوعي الذي يتمتع به المواطن المغربي، إلى جانب الجهود المبذولة من قبل السلطات الأمنية، تمكن المغرب من إحباط هذه المحاولات الخبيثة التي تهدف إلى زعزعة استقراره.



