
السفير 24 – محمد رياض
لم يعد إصلاح التعليم في حاجة إلى مزيد من التشخيص والتنظير والترقيع، فلقد صار متخما بكل ذلك وصار يحتاج إلى حمية علاجية سليمة ليتعافى .. لقد صدرت العديد من البحوث والتقارير في هذا الشأن عن مؤسسات وطنية مختصة ( تقرير الخمسينية / تقارير المجلس الأعلى للتعليم / المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي / التقارير الموضوعاتية …) ومؤسسات دولية ، وصدرت العديد من النصوص والقوانين والوثائق ( الميثاق الوطني للتربية والتكوين / البرنامج الاستعجالي / الرؤية الاستراتيجية ..) ولم تؤسس كلها لخارطة طريق واضحة المعالم والإحداثيات لإصلاح حقيقي يجعل قطاع التربية والتكوين يؤدي دوره الأساسي في رفع التحدي التنموي وبناء مجتمع المعرفة والحداثة والديمقراطية.
كل الإصلاحات تعاملت مع أزمة التعليم من منظور تقني يختزل الإصلاح في حزمة من الإجراءات والتفاصيل الشكلية التي لا تلامس جوهر الأزمة ولا تتجه إلى المداخل الأساسية للإصلاح، وتعاملت مع هذه الأزمة بمعزل عن بقية القطاعات الأخرى وكأن هذه الأزمة لا تهم سوى قطاع التعليم، علما أن أزمة التعليم هي أزمة بنيوية ولا يمكن فصلها عن النسق السياسي والاجتماعي العام الذي يفتقر إلى عناصر ومقومات المشروع المجتمعي الحداثي والديمقراطي.
إن الإصلاح القويم للتعليم في حاجة إلى إرادة سياسية صادقة، والمحك الأساسي لهذه الإرادة هو إرساء مدرسة عمومية بمواصفات تشريعية وبيداغوجية وعلمية ولوجيستيكية فعالة تكون معها كل المؤسسات التعليمية رائدة حقيقة وفعلا وبمقاربات تربوية فعالة ترقى بمعارف المتعلمين وقدراتهم ومهاراتهم ومواهبهم وطاقاتهم الإبداعية، ومعها رد الاعتبار لمهنة التدريس ماديا ومعنويا والارتقاء بمكانة أهلها من نساء ورجال التعليم بكل فئاتهم وتوفير الشروط الملائمة لممارسة تربوية ناجعة والكفيلة بضمان تحقيق جودة التعليم.
إن أي إصلاح للتعليم لن ينجح بدون مشاركة فعالة لهيئة التدريس، وبدون تقدير و تحفيز وتثمين لجهودها وأدوارها، ولن يستقيم أيضا بدون تحسين لشروط هذه الممارسة ماديا ومعنويا للارتقاء بها. فالمدرسون
هم الفاعلون الأساسيون في التغيير وإحداث التحول في المدرسة العمومية، وهم الأداة المباشرة لتحقيق إصلاح التعليم وضمان جودته، والمدرسون هم الأكثر إلماما بواقع التعليم كل من موقعه: المادة التي يدرسها، والسلك الذي ينتمي إليه، ونجاعة المقاربات التربوية التي يشتغل وفقها، والمناهج والمقررات، وإكراهات التدريس وشروطه، وإيقاعات التعلمات وواقع المتعلمين والمتعلمات.. ويعدون في ذلك تقارير دورية من خلال مجالس المؤسسات التعليمية ترفع إلى مصالح المديريات الإقليمية للتعليم، وهي أكثر واقعية في التشخيص وتقديم المقترحات من أجل التجاوز والتطوير والإغناء.
والحال نقيضه، ذلك أن النظام الأساسي الخاص بموظفي قطاع التربية الوطنية بالصيغة المجحفة والكيفية التي أخرج بها لم يستحضر هذه الأدوار التي يقوم بها المدرس ولا مكانته المحورية في المنظومة التربوية ، بل ولم يكن وضع هذا النظام تفعيلا سليما لمقتضيات النموذج التنموي الجديد ـ كما ورد في ديباجة هذا النظام ـ وغاب عنه أي تحفيز أو إنصاف من شأنه أن يرسي أجواء الثقة التي صارت مفقودة تجاه الوزارة الوصية على القطاع بل إنه أشاع شعورا بالغبن والحيف والإحباط خلق جوا من التوتر والاحتقان وموجة من الاحتجاجات الواسعة من طرف نساء ورجال التعليم تدعو إلى سحب هذا النظام الأساسي الذي جاء مخيبا لآمالهم وتطلعاتهم، وإلى تحقيق العدالة الأجرية إسوة بباقي قطاعات الوظيفة العمومية.
لقد أجمعت آراء كل الفاعلين التربويين من مدرسين وباحثين ومهتمين بالشأن التربوي على أن مخرجات هذا النظام الأساسي لم تكن عادلة ولا منصفة، وأنها ستأتي على ما تبقى من الوضع الاعتباري لنساء ورجال التعليم من خلال ترسيم مهام إضافية من دون تعويض مادي، وفرض نظام للتقويم والترقي في شروط مجحفة، والتلويح بعقوبات تأديبية غير مسبوقة، وغير ذلك من الإجراءات التي ستكرس الهشاشة المهنية وتهدد الاستقرار النفسي والاجتماعي للمدرسات والمدرسين بما هو ـ هذا الاستقرارـ شرط لممارسة تربوية سليمة وناجعة، هذا إضافة إلى أن هذا النظام أغفل، ضمن بنوده ومقتضياته، فئة مهمة من هيئة التربية والتعليم وهي مربيات ومربو التعليم الأولي وتجاهل القطاع الذي تنتمي إليه هذه الفئة علما بأن هذا القطاع قطاع أساسي في المنظومة التربوية و يعتبر ” محطة أساسية في توفير شروط النجاح الدراسي والتكويني للناشئة وتيسير اندماجهم الاجتماعي مدى الحياة ” ( المجلس الأعلى للتربية والتكوين / يوليوز 2017 )
إن الاحتجاجات المتواصلة لهيئة التدريس هي ردة فعل طبيعية ومشروعة لإنصافها ورفع الحيف عنها وذلك من خلال إخراج نظام أساسي منصف ومحفز ، وما على الحكومة إلا أن تبادر بإنهاء هذا الاحتقان وأن تعيد بناء جسور الثقة عبر سحب النظام الأساسي وإعادته إلى طاولة الحوار و التفاعل الإيجابي مع مطالب الشغيلة التعليمية بكل جدية ومسؤولية وبشكل مستعجل لإيقاف هدر الزمن المدرسي وحماية حقوق المتعلمين والمدرسين على السواء.. ولن ينال ذلك أبدا من صورة الحكومة وهيبة الدولة شيئا ، بل على العكس فإن ذلك سيعيد بناء الثقة المفقودة وسيحتسب ذلك نقطة قوة في سيرة الحكومة.
أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي*



