في الواجهةمجتمع

مهن تقليدية….. على عتبة الاندثار

مهن تقليدية..... على عتبة الاندثار

le patrice

السفير 24- هبة السيد المسعودي/ صحفية متدربة

تفوح في أرجاء أقدم الأحياء الشعبية “المدينة القديمة” رائحة الخبز الطازج، تتنقل النساء وهم مرتدين قماشا أبيض اللون يسمى ب “الحايك”، في الشوارع محلات لإصلاح الساعات، وفي الأزقة ورشات لبيع الصناعات الجلدية،رجال مجتمعين على شكل هندسي دائري حول “الحليقي” في الساحات، وساقي الماء يتجول وسطهم ليبيع الماء مقابل دريهمات قليلة، ويصطلح عليه “الكراب”، إنه زمن المغرب الجميل.لكن في زمن التطور التكنولوجي  المسحوب بالاختراعات، بدأت هاته المهن التقليدية العريقة بالانقراض.

شهدت هاته المنطقة عادات مغربية عتيقة،تتوجه النساء إلى الفرن التقليدي،يحملن فوق رؤوسهن وصلات الخبز، وما أن تصل الساعة 12 ظهرا، حتى يكتظ الفرن بالزبناء، كل شخص يبحث عن وصلته،وجبة الغذاء لا تستقيم دون الخبز الساخن والطري، إنها عادة المواطن المغربي في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي.كان للبسيط مكانا للعيش، يمارس أدوارًا ومهما متعددة ليكسب لقمة العيش الحلال، يستيقظ “مول الفران” في تمام الساعة 5 صباحا، يوقظ النار في الخشب المفروم، ويبدأ عمله اليومي وسط حرارة فرنه الخاص،”حيث كلشي ولا غالي، في التسعينات، الخشب كان 7 ريال للكيلو ولا بدرهم لكيلو، دقيق كان ب 2,5 للكيلو دابا 4 دراهم، حتى من الخدام كان كيتخلص غ 70درهم ولا دابا ب180درهم” يجيب “مول الفران” حسن وهو من ساكنة المنطقة عن سبب اندثار معظم الأفران التقليدية، ويضيف “ملي ولا فران الغاز، قليل لي باقي يعتمد على الفران التقليدي”، تحميص الطحين، طهي الحلويات، إنضاج الخبز، مهام سلبت من جوف ممتهني الحرفة، ويشير حسن للمكانة التي كان يلعبها الفرن التقليدي، وللدعم المقدم للدقيق الذي كانوا يتلقونه من الدولة.

“الساعاتي” أو “الماكني”، مهنة باتت مهددة بالانقراض، القليل ممن يلجأ إليه، ونادرا ما يوجد محلا لإصلاح الساعات،”لمعلمين قلال، وحتى حد ماغيبغي يتعلمها،مشا زماننا ملي دخلوا الأجهزة الالكترونية” يحكي الساعاتي إدريس عن سبب اختفاء هاته المهنة، وهو من ممتهنيها لأكثر من عشرين سنة، ويعتبر أن التطور الذي شهده المغرب، والتحولات التي طرأت، أدت إلى التخلي عن خدمات الساعاتي، “كانت غساعة الميكانيكية لكتعمر، أما في هاد زمان كاينة غساعة ديال الكوارتز (الحجرة ديال المكانة)، الحجرة العادية 10 دراهم والحجرة دوريجين 30درهم”.

يتجول “الكراب” بملابسه الحمراء المزركشة، تسمع طقطقة كؤوسه النحاسية وسط الازدحام، يلمح في فصل الصيف الحار، “ميها باردة” عبارة يرددها ليلفت الانتباه،ويغيب في فصل الشتاء، يقدممياه باردة تروي العطش مقابل دريهمات أو دعاء برحمة الوالدين، “لي فيه العطش ولا كيشري قرعة الماء، وقليل لي باقي يبغي يأخذ من عندي الماء حيث بنادم ولا كخاف على صحة ديالو، وكثر الشك ” إنه الواقع الذي يتعرض له السيد محمد (65سنة)، في الأمس كان “الكرابة” لا غنى عنهم، أما اليوم فقد أصبحوا مجرد ذكرى، ولوحات مرسومة على جدران البنيات الشاهقة بالمدينة الاقتصادية.

 المغرب، بلد التراث والصناعة التقليدية.محفظات،صنادل، “بلاغي”، إنها الصناعات الجلدية، المحصل عليها من دباغة الجلود (ماعز، بقر، جمل، خروف….)،كل نوع واستعمالاته، “جلد رقيق رخص من الغليظ” يشير مهدي لأسباب ارتفاع أثمنة بعض المنتجات عن غيرها، ويتأسف على الوضع الذي أمسى عليه هذا القطاع، فقدت الصناعات الجلدية المكانة التي كانت تكتسيها في زمن مضى، “بنادم معزيزش عليه الغلاء، ولينا نديرو الجلد رقيق ونعمرو الوسط ديالو بالكارطون، باش يكون المنتج بحالا بالجلد الغليظ، ومايكونش غالي” واحدة من الحلول التي يعتمدها مهدي لبيع منتجاته، انخفضت أثمنة الصناعات الجلدية عما مضى، لكنها بالرغم من ذلك، لا تعرف إقبالا كثيرا إلا من طرف السائحين، “في الثمانينات الطلب كان كثير على الصناعات الجلدية من دول الخارج، أما دابا ولاو يشريو من عندنا الجلد ويصنعوه كيفما بغاو عندهم”.

صناعة السجاد “الزرابي”، صناعة الخزف “الطين”، “البراح”، صانع الأحذية “الخراز”، “النقاشة”، “السراج”، “مول الببوش” وغيرها…، مهن وحرف الأصالة المغربية، البعض انطفأت شمعتها، والبعض الأخر اقتربت نهايتها.  تكافح من أجل البقاء لإحياء موروث الثقافة المغربية، ولا يتجدد اللقاء بمعظمها إلا في المناسبات، بتراجع واندثار جلها، فقد ممتهنيها وظائفهم ومورد رزقهم الوحيد، والتهمهم شبح البطالة المريع.ما هو مستقبل حرفي الصناعة التقليدية القديمة؟ سؤال يحتاج لجواب يحدد مصيرهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى