كلمة السفيرفي الواجهة

حين تتكلم الوقائع.. الوزير الهشومي يتفاعل مع “السفير 24” ويضع ثقافة الإنصات على المحك

حين تتكلم الوقائع.. الوزير الهشومي يتفاعل مع "السفير 24" ويضع ثقافة الإنصات على المحك

السفير 24/ بقلم: حسن راقي – مدير النشر 

ليس أصعب على الصحافي من أن يكتب عن مسؤول أنصفه في موقف، وهو يعرف أن الإشادة قد تقرأ عند البعض باعتبارها تنازلا عن مسافة النقد، مثلما أن الانتقاد قد يفهم أحيانا على أنه خصومة شخصية. لكن الصحافة التي تحترم نفسها لا تشتغل بمنطق تصفية الحسابات، ولا تجعل من الصمت فضيلة حين يستحق الموقف أن يقال، ولا من المديح مهنة موازية لمهنة المتاعب. إنها تملك شجاعة قول الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة في صالح مسؤول لا تتفق معه بالضرورة في كل شيء.

ما وقع مع الوزير كمال الهشومي، المكلف بالتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، يستحق أن يروى كما وقع، بعيدا عن المبالغة في الاحتفاء، وبعيدا أيضا عن ذلك الاستسهال الذي يجعل بعض الأصوات تتعامل مع كل مسؤول باعتباره نسخة طبق الأصل من مسؤول آخر. فليس كل من يجلس على كرسي المسؤولية ينصت بالضرورة، وليس كل خبر يصل إلى مكتبه يجد طريقه إلى دائرة اهتمامه، كما أن ليس كل رسالة صحافية تستحق جوابا تتحول إلى مبادرة للتحري والمتابعة.

بدأت الحكاية من الثانوية التأهيلية جابر بن حيان بمدينة المحمدية، حيث أثار الخصاص في أستاذي الرياضيات والإعلاميات قلقا مشروعا لدى عدد من أولياء أمور التلاميذ. فالأمر لم يكن يتعلق بتفصيل عابر في جدول الحصص، بل بزمن مدرسي مهدد بالضياع، وبحق تلاميذ في تلقي تعليمهم دون أن يتحول غياب الأطر التربوية إلى أمر مألوف تتعايش معه الإدارة والأسر.

وأمام هذا الوضع، لم نكتف بنقل الانشغال إلى صفحات الجريدة، ولم نعتبر نشر المقال نهاية المهمة. بادرنا، من موقعنا في إدارة نشر “السفير 24″، إلى وضع مضمون القضية أمام الوزير كمال الهشومي، في رسالة مهنية مباشرة، لأن الصحافة التي تكتفي بإثارة المشاكل دون أن تحاول إيصالها إلى الجهات المعنية تفقد جزءا من وظيفتها، كما أن المسؤول الذي لا تصل إليه أصوات المواطنين إلا بعد أن تتحول إلى احتجاجات أو أزمات يكون قد فوت على الإدارة فرصة التدخل في الوقت المناسب.

كان جواب الوزير واضحا ومباشرا: “مرحبا السي حسن، شكرا جزيلا على الخبر، سأتحرى الأمر حالا، يوم سعيد”.

قد يرى البعض في الأمر مجرد رسالة قصيرة عبر واتساب، لكن قيمة التواصل لا تقاس بعدد الأسطر، بل بما يكشف عنه من استعداد للتفاعل. والفرق كبير بين مسؤول يترك الخبر في قائمة الرسائل، وآخر يرد على الصحافي ويعلن أنه سيتحرى بشأنه. هنا لا يتعلق الأمر بإنجاز خارق، ولا بعمل يستوجب إقامة الاحتفالات، بل بسلوك إداري وتواصلي يستحق التنويه لأنه يعكس فهما بسيطا، لكنه أساسي، لمعنى المسؤولية: أن تصل إليك المعلومة، فلا تتعامل معها باعتبارها إزعاجا، بل باعتبارها فرصة للتحقق والتدخل.

والأكثر دلالة أن هذا التفاعل تم اليوم الأحد. في الوقت الذي اعتاد فيه البعض إطلاق أحكام جاهزة عن المسؤولين الذين لا يشتغلون إلا داخل المكاتب وخلال ساعات العمل الرسمية، جاءت هذه الواقعة لتذكرنا بأن التعميم ليس تحليلا، وأن الحكم على المسؤولين لا ينبغي أن يبنى على الصور النمطية، بل على ما نعاينه من مواقف وما نملك بشأنه من معطيات. فالعمل العمومي لا ينبغي أن يكون رهينا بعقارب الساعة متى تعلق الأمر بانشغال يمس مصلحة المواطنين.

ولا أكتب هذه السطور لأن الوزير رد على رسالة صحافية، ولا لأن التواصل معه كان وديا، وإنما لأن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الرجل أبدى تجاوبا يستحق الإشارة إليه. وفي زمن أصبح فيه التواصل المؤسساتي في كثير من الأحيان أسير البلاغات الجاهزة والعبارات المحسوبة، فإن مسؤولا يختار الرد المباشر والتعهد بالتحري يقدم، على الأقل في هذه الواقعة، نموذجا مختلفا في التعامل مع المعلومة الصحافية.

بعد ذلك، أفادت مصادر “السفير 24” بأن مشكل الخصاص في المادتين قد تمت معالجته. وهي إشارة إيجابية، لكننا لا نخلط بين الخبر والنتيجة النهائية، ولا نمنح أي جهة شهادة نجاح قبل استكمال التحقق. لذلك يظل التواصل مع المديرية الإقليمية للتربية الوطنية بالمحمدية ضروريا لمعرفة ما إذا كان الأستاذان قد التحقا فعليا بالمؤسسة، وما إذا كان الحل المتخذ نهائيا أم مؤقتا، فضلا عن التدابير التي ستضمن تدارك الحصص الدراسية التي ضاعت على التلاميذ.

ذلك هو الفارق بين صحافة تكتفي بتسجيل المواقف، وصحافة تتابع ما يترتب عنها. فالمقال ليس نهاية القضية، والرسالة ليست بديلا عن المعالجة، والوعد بالتحري لا يعفي الإدارة من تقديم جواب واضح. وإذا كان تجاوب الوزير يستحق التنويه، فإن حق التلاميذ في الدراسة لا يزال يستحق المتابعة إلى أن تتضح الصورة كاملة.

لقد لمسنا، من خلال تواصلنا مع عدد من المسؤولين، أن هناك من يجيب ويتفاعل، وهناك من يفضل الصمت أو يترك الرسائل معلقة. وهذه التجربة لا تسمح لنا بوضع الجميع في سلة واحدة، كما لا تسمح لنا بتحويل كل تجاوب إلى حدث بطولي.. فالمسؤولية ليست منة يقدمها الوزير للمواطن، والتواصل ليس امتيازا يمنحه المسؤول للصحافي؛ كلاهما جزء من واجب تدبير الشأن العام والتفاعل مع انتظارات المجتمع.

أما الذين يعتقدون أن الصحافي لا يكون قويا إلا حين يهاجم، وأن استقلالية الإعلام لا تثبت إلا بالخصومة الدائمة، فهؤلاء يخلطون بين الجرأة والانفعال. فالصحافي القوي ليس من يرفع صوته في كل مناسبة، بل من يعرف متى ينتقد، ومتى ينصف، ومتى يطالب بالدليل، ومتى يعود إلى الموضوع بعد أن تنطفئ الأضواء. فالذي لا يستطيع الاعتراف بموقف إيجابي لأنه يخشى أن يتهم بالمجاملة، لا يمارس استقلاليته، بل يخضع لنوع آخر من الوصاية، عنوانها الخوف من سوء التأويل.

ومن هذا المنطلق، فإن التنويه بالوزير كمال الهشومي لا يعني منح صك براءة لقطاع التعليم، ولا إعفاء الوزارة من مسؤولياتها، ولا تبني خطاب رسمي لا يرى في الواقع إلا الجوانب المضيئة. إنما هو تسجيل لموقف محدد، في واقعة محددة، ومسؤولية الصحافي تقتضي أن ينسب الفضل إلى صاحبه متى ثبت، وأن يوجه السؤال إلى الجهة المعنية متى ظهر الخلل. فلا أحد فوق المساءلة، ولا أحد ينبغي أن يكون ممنوعا من الإنصاف.

إن أزمة المدرسة المغربية لا تحل برسالة واتساب، كما أن اختلالات التعليم لا تختصر في غياب أستاذ هنا أو هناك. لكنها تبدأ أحيانا من تفاصيل صغيرة تكشف طريقة اشتغال الإدارة، ومدى سرعة استجابتها، وقدرتها على حماية الزمن المدرسي. وقد يكون تدخل في مؤسسة واحدة محدودا في حجمه، لكنه يظل مهما بالنسبة إلى تلاميذها وأسرهم، لأن المواطن لا ينتظر من المسؤول أن يشرح له حجم البرامج والمخططات، بقدر ما ينتظر أن يجد أستاذا داخل القسم، وطبيبا في المستشفى، وموظفا يقضي حاجته دون تعقيد.

أما الثقة في المؤسسات، فلا تبنى بالخطب ولا بكثرة الصور الرسمية، وإنما تتعزز حين يشعر المواطن أن صوته يمكن أن يصل، وأن المعلومة التي ينقلها الإعلام لا تضيع في دهاليز الإدارة. ومن هنا تبرز أهمية المسؤول الذي ينصت، والصحافي الذي يتابع، والإدارة التي تقدم جوابا واضحا، بعيدا عن منطق تبادل المجاملات أو توزيع المسؤوليات.

ولعل ما يجعل هذه الواقعة جديرة بالاهتمام ليس فقط سرعة رد الوزير، بل أنها أعادت طرح سؤال العلاقة بين الصحافة والمسؤول: هل نريد إعلاما يصفق للمسؤولين كلما أجابوا، أم إعلاما يعاقبهم تحريريا كلما تفاعلوا؟ الجواب بسيط: نريد صحافة لا تنتظر إذنا كي تنتقد، ولا تحتاج إلى خصومة كي تثبت استقلالها. صحافة تعرف أن مهمتها ليست إرضاء المسؤول ولا استعداءه، وإنما مساءلته حين يلزم الأمر، والاعتراف بمبادرته حين تستحق ذلك.

لقد قام الوزير كمال الهشومي، في هذه الواقعة، بما يستحق التنويه: استقبل المعلومة، رد على الصحافي، وأعلن عزمه التحري بشأنها. ويبقى أن تتأكد نتائج هذا التفاعل على أرض الواقع، وأن تقدم الجهات المختصة ما يثبت معالجة الخصاص وتدارك الزمن المدرسي المهدور.

أما “السفير 24″، فليس في حاجة إلى خصومة مع مسؤول كي يثبت استقلاليته، ولا إلى مجاملة مسؤول كي يفتح أبواب التواصل معه. نحن نكتب حين تكون هناك قضية، ونسأل حين يغيب الجواب، وننوه حين يكون هناك موقف إيجابي. تلك ليست معادلة صعبة، لكنها تحتاج إلى صحافة لا تخشى أن تقول ما لها وما عليها.

فالصحافة التي لا تنصف تفقد جزءا من مصداقيتها، والتي لا تنتقد تفقد مبرر وجودها. وبين الإنصاف والمساءلة تصان الكلمة، وتختبر المسؤولية، ويظل المعيار الوحيد الذي لا ينبغي أن يتغير هو مصلحة المواطن.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى