
السفير 24
كتبت مجلة “ذي إيكونوميست” البريطانية الرفيعة أن كلمتين تلخصان الغمة الجزائرية: “الحكرة” و”الحراكة”، وذلك في معرض تقديمها للوحة قاتمة للوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والحقوقي في بلد يقع في قبضة نظام سياسي عسكري متجاوز.
وأبرزت المجلة في عددها الأخير أن الكلمة الأولى تعكس الشعور بالإذلال والاضطهاد، وانتهاك الكرامة التي تفضي إلى الكلمة الثانية، التي باتت أكثر تداولا، وهي “الحراكة”؛ ذلك العدد المتزايد من الجزائريين الذين يتوقون إلى الهجرة بشكل غير قانوني سعيا إلى حياة أفضل في الخارج، عبر حرق أوراق هويتهم.
وقالت في مقال تحت عنوان “لماذا كان النظام المتعفن في الجزائر محظوظا”، إنه منذ بداية السنة، وصل حوالي 13 ألف جزائري إلى إسبانيا عبر مراكب هشة، مشيرة إلى مقال حديث لصحيفة “لوموند” بعنوان “المنفى أو السجن”، يفسر لم يضطر المدافعون عن حقوق الإنسان إلى الهجرة.
ويتجه الجزائريون الذين يتوفرون على قدر من المال أو العلاقات للهجرة بشكل قانوني؛ حيث يقصدون أوروبا أو أمريكا أو الخليج. ومن أولئك الذين يحصلون على تأشيرة للدراسة بالخارج، فإن 90 في المائة لا يعودون، كما يقول رجل أعمال أجنبي حاورته المجلة، طلب، على غرار جميع الأجانب والجزائريين المقيمين الذين استجوبتهم، عدم الكشف عن هويته، وهو ما يجسد طبيعة النظام.
وحسب وسائل الإعلام، فإن 3 عوامل تساهم في خنق هذا الغضب: الأول هو السعر المرتفع للغاز والبترول الذي يشكل 90 في المائة من العائدات بالعملة الصعبة. الثاني هو العقد الاجتماعي الذي ينص على أن المواد الأساسية المعيشية تستفيد من دعم مكثف. أما الثالث فهو الذكرى الأليمة لفصول العنف الوطني، وخصوصا العشرية السوداء.
وتابعت المجلة بأن هذه الاحتجاجات، المعروفة باسم الحراك، اجتذبت أحيانا أكثر من مليون شخص إلى الشوارع، وأجبرت بوتفليقة على التنحي من الحكم، مشيرة إلى أنه تم سجن العشرات من الشخصيات البارزة، بمن فيهم شقيق بوتفليقة ورؤساء أجهزة أمنية سابقون واثنان من رؤساء الوزراء السابقين وعدد من الوزراء والجنرالات.
لكن سرعان ما اتضح أن النظام الجديد لعبد المجيد تبون، الوزير السابق لفترة طويلة في عهد بوتفليقة، هو نظام سلفه نفسه، وفقا للمصدر ذاته.
وبالنسبة لـ”ذي إيكونومسيت”، لم ينقذ تبون إلا وصول كوفيد-19 في عام 2020، مما تسبب في تراجع الحراك، فضلا عن ارتفاع أسعار الغاز والنفط بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا.
وأضافت الأسبوعية ذاتها، التي رسمت صورة قاتمة عن وضعية حقوق الإنسان في البلاد، أنه بعد إصابته بكورونا عام 2020، اختفى الرئيس الجزائري عن الأنظار أكثر من شهر في ألمانيا، وغالبا ما كان يعتقد الدبلوماسيون ورجال الأعمال أن لا أحد يعرف حقا من هو المسؤول في الجزائر.
وأوضحت أن “القمع تزايد مرة أخرى، حيث أحصت هيومن رايتس ووتش أكثر من 280 سجينا سياسيا، بينما قدرت جمعية محلية الرقم بـ 320، وكذلك تم حل منظمة حقوقية كبرى معروفة باسم (يوت أكشن رالي)”، مضيفة أن “المنظمات الأجنبية غير الحكومية تظل محظورة، علاوة على تعرض الشخصيات السياسية والصحافيين المستقلين للمضايقة والسجن”.
من جهة أخرى، كتبت “ذي إيكونومسيت” أن وسائل الإعلام الرسمية “تتملق بشكل مثير للشفقة للنظام الحاكم”، مشيرة إلى أن “الصحافة الغربية تعتبر معادية، ولا يوجد مراسل مقيم من أي صحيفة فرنسية كبرى، واضطر مكتب وكالة الأنباء الفرنسية إلى الإغلاق”.
وفي هذا الصدد، أوردت الأسبوعية قول أستاذ في التاريخ بكل وثوق إن “وسائل الإعلام المعارضة والحراك تم اختراقهما من قبل الموساد، ويتلقون غالبا الرشوة من قبل المغرب”.
واعتبر المصدر أن التصريحات الرسمية “تميل إلى خطاب هو مزيج من التبجح والبارانويا”، مشيرا إلى أن “الإعلام الرسمي يظهر أيضا عداوة شديدة تجاه المغرب المجاور”.
وأكدت “ذي إيكونومسيت” أن العديد من الجزائريين، وخاصة الشباب، غير سعداء ومحبطين وخائفين من السلطة، مضيفة أن “الحكرة تسود، والحراكة يبحثون عن مخرج، والجماهير التي دعمت الحراك لم تختف”.
وخلص المقال إلى أنه “إذا انخفض سعر الغاز والنفط بشكل حاد، فمن الصعب أن نرى كيف يمكن لهذا النظام المتجاوز والفاسد البقاء على قيد الحياة”.



