في الواجهةكتاب السفير

لوطٌ رسولاً.. حين يَنقُض القرآنُ أُطروحةَ التفريق قراءةٌ في دَعوى الفصل بين الرسالة والنبوّة عند الدكتور محمد شَحرور

لوطٌ رسولاً.. حين يَنقُض القرآنُ أُطروحةَ التفريق قراءةٌ في دَعوى الفصل بين الرسالة والنبوّة عند الدكتور محمد شَحرور

le patrice

السفير 24 – عبد الفتاح العقيلي

في زيارةٍ إلى أكادير مَطلَعَ ماي الجاري، التقيتُ صديقاً، وكان مما دار بيننا حديثٌ في الشأن الديني، فإذا به مَأخوذٌ بأطروحة المُفكِّر السوري الدكتور محمد شَحرور في التفريق بين “الرسول” و”النبي” في القرآن الكريم. وقد بَلَغَ الأمرُ بِبَعضِ المُتَحَمِّسين لِهذه الأطروحة أن قالوا: الرسولُ هو الذي جاء بِكتابٍ، والنبيُّ هو الذي لم يأتِ بِكتاب. سَمِعتُ الكلامَ ولم أُجِب يومئذٍ، فلمّا رَجَعتُ إلى الدار البيضاء أَخَذتُ في البحث، فكان ما يَلي. وهو ليس ردّاً شخصياً على صديق، ولا تَنَقُّصاً من جُهدِ رَجُلٍ أَفنى عُمَرَه في القراءة، وإنما هو محاولةٌ لِعرض المسألة كما يُريها كتابُ الله.

أُطروحةُ شَحرور في إيجاز

اجتهدَ الدكتور محمد شَحرور رحمه الله ـ في كتابه «الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة» وما تلاه ـ في طَرحِ تَفريقٍ بين مَقامَين قرآنيَّين: مقام الرسالة ومَقام النبوة. فالرسالة عنده “تشريعاتٌ وأحكامٌ وشعائر” تجب طاعتُها على الإطلاق، والنبوّة “علومٌ وتعليمات” يجتهد فيها النبيُّ ويُخطئ ويُصيب. وأقامَ على هذا التفريق هَيكلاً كاملاً: سنّةٌ رسوليةٌ مُلزِمة، وسنّةٌ نبويةٌ تاريخانية. ثم بَسَّطَ بَعضُ تَلامِذتِه هذا التفريقَ تَبسيطاً عَجولاً، فصار الرسولُ عند العَوامِّ هو حاملَ الكتاب، والنبيُّ مَن لم يَحمِل كتاباً. والاجتهادُ مَشكورٌ أصحابُه، لكنّ الاجتهادَ لا يُعفي صاحبَه من المُراجعة على ميزان النصّ.

لوطٌ يُعيدُ النَّظَر

يَقصُّ الله علينا في سورة الشعراء خَبَر لوطٍ عليه السلام، إذ قال لقومه:

﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ۝ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾
فهذا لوطٌ يُسمّيه القرآن “رَسولاً” ويأمر قومَه بِطاعتِه. ولوطٌ ـ كما هو مَعروفٌ ـ كان على مِلّة إبراهيم خليلِ الرحمن، ولم يَحمِل تشريعاً مُستَقِلّاً يَخُصُّه، ولا كِتاباً مُنزَّلاً عليه دون سواه. فإن كان “الرسول” هو حامِلُ التشريع المُلزِم المُستَقِل، أو حامِلُ الكتاب كما يَفهَمُه العامّةُ من تَلامذة شَحرور، فأينَ تَشريعُ لوطٍ المُستَقِل؟ وأينَ كتابُه المُنزَّل؟ وكيف وَجَبَت طاعتُه إذنْ بِنَصِّ القرآن؟

نَسَقٌ قُرآنيٌّ مُحكَم

ولو كان الأمر مَقصوراً على لوطٍ لَهَوَّن الأمر، لكنه نَسَقٌ مُحكَم. ففي السورة ذاتِها تتكرّر العبارةُ بِحَرفها على ألسنة خَمسةٍ من المرسلين: نوحٍ في الآية 107، وهودٍ في 125، وصالحٍ في 143، ولوطٍ في 162، وشُعيبٍ في 178. كلُّهم يقول لقومه: ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾، ثم يُعقِب: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾. خمسةُ رُسلٍ، تَتَنزَّل عليهم تَسميةُ الرسالة، ويَطلُبون الطاعة طلباً صريحاً، ولم يَحمِل أَحَدٌ منهم تشريعاً مُستَقِلّاً ولا كتاباً، ولم تَعرف لهم تواريخُ الديانات شريعةً مُدَوَّنة. فأيّ “مَقامِ رِسالةٍ” بِالمَعنى الشَّحروريّ نَجِده هنا؟

إسماعيلُ والسؤالُ الأخير

ثم تأتي القَرينةُ القاطعةُ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا﴾ (مريم: 54). الوصفان مُجتمعان في عبارةٍ واحدة، لِمُسَمّى واحد، دون أدنى قَرينةٍ تُفَرِّق بينهما في الوظيفة أو الحُكم. وإسماعيلُ لم يَحمِل تشريعاً مُستَقِلّاً ولا كتاباً، لكنه “رَسولٌ نَبيٌّ” بِنَصِّ التنزيل. فإن صحّ تَمايُزُ المَقامَين كما يُقرِّر شَحرور، فكيف اجتمع الوصفان في إسماعيل اجتماعَ المُتلازمَين لا المُتغايرَين؟

في الخِتام: ميزانُ النصِّ فوق ميزان النَّظَر
أَمضى الدكتور شَحرور سَنواتٍ طِوالاً مع القرآن، وذلك ـ في ذاته ـ شَرَفٌ يَحمَدُه له كُلُّ مُحِبٍّ لِكتاب الله. غيرَ أن العُمرَ مع النصّ لا يَعصِم من الزَّلَل إذا قَدِمَ القارئُ على القرآن بِنَظَريّةٍ مُسبَقة. والحقُّ أن لفظ “الرسول” قد أُقحِمَت فيه حُمولةٌ اصطلاحيّةٌ ليست له في لسان القرآن ولا في لسان العرب؛ فمادّةُ (ر-س-ل) لا تعني إلا الإرسالَ والإيفاد، والرسولُ هو المُرسَلُ من ربّه برسالةٍ، شريعةً كانت أم تصديقاً لشريعةٍ سابقة، أم نِذارةً ودَعوة. فإذا انهَدَمت قاعدةُ التفريق ـ كما رأينا في لوطٍ وإخوانِه من المُرسَلين، وفي إسماعيلَ خاصّةً ـ انهدم البنيانُ كلُّه: لا سُنّةَ رسوليةً تختلف عن سُنّةٍ نبوية، ولا طاعةً مَزدوجةً تجب هنا وتَسقُط هناك، وإنما طاعةٌ واحدةٌ لمن أرسله الله. والقرآنُ ـ ولله الحمد ـ خَصمٌ لِمن حاوَل تَطويعَه: لا يَستقيم إلا على ميزانه، ولا يُؤتي مَفاتيحَه إلا لمن يَقرأه بِسائر القرآن، لا بِهَوى نَفسٍ صاغَت لأفكارها تأويلاً.

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى