في الواجهةكتاب السفير

سيكولوجية الجنرالات حكّام الجزائر

سيكولوجية الجنرالات حكّام الجزائر

le patrice

*بقلم: يسين العمري- دكتور في علم الاجتماع السياسي والديني

تمهيد:

تعلّمنا على يد أساتذتنا الكرام في علم النفس أنّ الأخصائي النفسي عليه ألا يتسرّع في تحليله لشخصية المضطرب، بل عليه تصنيف وجمع كلّ العلامات والأعراض الموجودة في دليل الأمراض العقلية والنفسية (DSM5) التي تمكّن من إعطاء التشخيص الصحيح والدقيق، ومن ثمّ اقتراح العلاج المناسب.

بناءً على هذا المعطي، فقد تريّثت لمدّة 12 سنة كاملة، أحاول من خلالها تتبّع ورصد الخطوط العريضة لشخصية بعض الجنرالات ممّن يحكمون دولة كوريا الشمالية المجاورة لنا، وأقصد بها الجزائر طبعا، ومع الجنرالات (شنقريحة، خالد نزار، توفيق مدين بالأساس) حاولت تحليل شخصية رئيسهم (جميل الاسم).

فما هي يا ترى الخلاصات التي توصّلت لها؟

مباشرة ومن الأخير، يعاني حكّام الجزائر (الجنرالات + رئيسهم الدمية) ممّا يعرف بالأفكار الهذيانية، فما هي الأفكار الهذيانية من ناحية موضوعاتها؟ ما هي ميكانزماتها؟ ما هي درجة تنظيمها؟ وأخيراً ما هي درجة إيمانهم بها؟

سنبدأ من موضوعات الأفكار الهذيانية لدى حكّام قصر المرادية.

يعتقد من نحاول تشخيص وتحليل نفسيتهم بصحة أفكارهم الخاطئة التي تكوّنت نتيجة ترسّبات تاريخية تعود لستينيات القرن الماضي، وبالضبط حرب الرمال 1963م، فمثلاً هم مؤمنون بأنّ المغرب عدوّهم اللدود، رغم انتفاء ما يسند هذا الأمر في الحقيقة، فأفكارهم تتنافى مع الواقع المعاش الثقافي والمجالي، فمثلاً هم يعتقدون أنّ المغرب يسرق منهم كلّ شيء حتى الريح والشمس، ويحاول أن يؤذيهم بكلّ شكل، حتى من خلال إطلاق أسراب الجراد “المغربي” للقضاء على المحاصيل الزراعية بالجزائر !!!

الأخطر أنّهم سوّقوا أفكارهم هذه المؤدلجة إلى أفراد شعبهم بواسطة ما يسمّى باطلاً لديهم ب”المثقفين والنخبة” وخاصّة عن طريق الإعلام الرسمي الذي يمثّل الخطّ التحريري للنظام العسكري الشمولي، حيث تكوّنت لدى العديد من إخواننا الجزائريين على الشكل التالي:

1- أفكار ذات صبغة نرجسية كالغيرة مثلاً من شعب جار شقيق ومسلم.

2- كما تكوّنت لديهم أفكار اضطهادية مؤدّاها أنهم مستهدَفون، ومكروهون، والجميع يحاربهم، هذه الأفكار جعلتهم يؤمنون فعلاً بالعَرَض (Symptôme)، فتجدهم مقتنعين فعلاً أنّ المغرب خانهم تاريخياً ويسرق منهم كلّ شيء ويعاديهم ويريد أن يؤذيهم ويتآمر ضدّهم مع إسرائيل وفرنسا وأمريكا وجزر الواق واق…الخ، بل حتى في الرياضة تجدهم يعزون تضرر ملعب مصطفى تشاكر بمدينة البليدة للمغرب، وحرائق غابات تيزي وزو للمغرب، ومقتل أحد النشطاء بطريقة همجية وحشية بربرية (جمال بن إسماعيل) في نظرهم قتله المغرب !!!

3- كذلك فإنّ حكّام المرادية يعانون ممّا يسمّى بالأفكار الإنكارية، فهم مثلاً ينكرون واقعهم المزري اقتصادياً كمثال: طوابير المواطنين على البطاطس، الموز، العدس، … الخ، وهذه أمور رصدتها عدسات الصحفيين الأجانب، والأدهى أنّهم يعملون الإزاحة والإسقاط لهذه الأمور على المغرب كنوع من الميكانيزمات الدفاعية التي يقاومون بها أفكارهم الهذيانية تلك، فيأتون بربورطاجات قديمة أو من دول أخرى، ويوهمون شعبهم أنّ المغرب هو من يعاني من أزمة الطوابير.

4- إنّ حكّام المرادية يعانون كذلك من الأفكار الخرافية، فهم عبر إعلامهم يسوّقون للسّذّج من شعبهم أنّ مكة الحقيقية توجد بالجزائر، وبأنّ أقدم إنسان على وجه الأرض يوجد بالجزائر، وبأنّ الفنوحات الإسلامية انطلقت من الجزائر، وبأنّ باب المغاربة بفلسطين من الأوقاف الخاصّة بالدولة الجزائرية، …. الخ.

5- نستمرّ مع نوع آخر من الأفكار الهذيانية التي يعاني منها من يحكمون بالبلد الجر الشرقي، وهذه المرّة مع أفكار الشعور بالإهانة، فأبسط شيء يجعلهم يخرجون في بياناتهم عبارة إهانة للشعب الجزائري، وآخر مثال على ذلك، الخرجة الإعلامية للرئيس الفرنسي ماكرون، الذي نفى من خلالها وجود شيء اسمه “أمّة جزائرية” أو تاريخ جزائري قبل الاحتلال الفرنسي، وهذا بالمناسبة أمر أكّده أول رئيس للحكومة الجزائرية المستقلة فرحات عباس في سيرته الذاتية، حيث أحسّ حكّام الجزائر بكلّ أصناف الإهانة والمهانة، وجعلهم في ردّ فعلهم ينتقلون من الوهم كموضوع متخيّل إلى الهلوسة كتعبير عن ذلك الموضوع الوهمي، فخرج علينا تبّون في حوار صحافي ليقول لنا أنّ جورج واشنطن أوّل رئيس أمريكي أهدى مسدّساً للأمير عبد القادر، وهذه زلّة تاريخية لا تغتفر فجورج واشنطن توفي قبل ميلاد الأمير عبد القادر بتسع سنوات تقريباً. وهذه قمّة الإهانة عندما يكذب رئيس دولة على الهواء مباشرة إمّا جهلا أو تزويراً.

6- أفكار تضخّم الأنا: يعاني حكّام المرادية من عَرَض خطير هو أنّهم يشعرون وكأنّهم أقوى من على هذه الأرض، ويبدو ذلك من خلال اللغة المستعملة في خطاباتهم سياسيين وعساكر، فهم تارة القوّة العظمى، وتارة القوة الإقليمية التي يضرب لها الجميع ألف حساب، وتارة هم قارّة الجزائر، ويرون أنّهم هم من ثورتهم هي من حررت إفريقيا من الاحتلال، والواقع أنّه لولا دعم المغرب ومصر وتونس وليبيا كدول جوار لما نجحت ثورتهم من الأساس، بالإضافة إلى أنّ فرنسا باعتراف كبير السياسيين الجزائريين الأخضر الابراهيمي لم تخرج من الجزائر بالقوة، بل لأنّها أرادت ذلك. أخيراً يبدو أن وصف القارة والدولة العظمى لم يعد كافياً لإقناع تضخّم الأنا لدى حكّام الجزائر فسموّا كوكب الجزائر، ويرون في أنفسهم أنّهم هم من يمنحون ويمنعون النّعم أي أولياء النعمة دون الله عزّ وجلّ، وبدا ذلك جلياً من خلال احتفاءهم بقطع أنبوب الغاز عن المغرب، حيث بالغوا بالاحتفال، وكأنّما سيعود المغرب إلى عصر الشموع والطهي بالفحم. وهذا يدخل في باب جنون العظمة الذي يعتبر أخطر نوع من أنواع البارانويا، حيث يصبح الفرد لا يصدّق إلا نفسه، ولا يقتنع إلا بأفكاره، كلّ العالم مخطئ إلا هو مصيب، وكلامه قرآن كريم ودستور عظيم، ولا يقبل أن يناقشه.

7- آخر أنواع الأفكار الهذيانية التي أرى أنّ حكّام الجزائر يعانون منها هي الأفكار الهوسية، ذلك أنّه لا يوجد شيء مهووس ومتناقض وغير منطقي في الدنيا إلا تجدهم ينادون به، فمثلاً يدّعون أنّ مشكل الصحراء المغربية شأن أممي خالص لا دخل لهم فيه، لكنهم يدعمون البوليساريو بالمال والسلاح والعتاد والأرض، ثمّ يقولون أنّهم يعادون “المخزن” أي الدولة المغربية، ولا مشكلة لديهم مع الشعب المغربي، وفي نفس الوقت يريدون إشعال فتيل الحرب، ويغلقون الحدود ويرفضون إعادة فتحها، ويقطعون الغاز، ويمنعون الطيران…. الخ، وهذه إجراءات قطعاً لن تمسّ شعرة من الدولة المغربية، لكنها قد تسبّب بعض الضرر لفئات من الشعب المغربي، خصوصاً القريبة من الحدود. ثمّ هم يمعنون في عداوة المغرب والعدوانية ضدّه، وتجدهم كالعذراء في خدرها مع فرنسا التي تمعن في إذلالهم والسخرية منهم واحتقارهم، ممّا يذكّرني بشخصية المازوشي- السادي.

وبعض أن حاولت تشخيص الأعراض المرضية عقليا ونفسياً لدى حكّام الجزائر أنتقل إلى ذكر بعض الميكانيزمات أو آليات الدفاع التي يحاولون من خلالها التغطية على أفكارهم الهذيانية سالفة الذكر، فتجدهم يستعملون:

1- الحدس: أي يحاولون توقّع سياسات وسلوك الجيران إزاءهم، ويبنون ردود أفعال بناءً على ذلك الحدس، وليس استناداً إلى واقع حقيقي.

2- التخيّل: طرح سيناريوهات من وحي الخيال، تلطّف من حقيقة الواقع المرّ، لتحقيق الانسجام مع الذات، ولو بعيداً عن عالم الحقيقة، ومردّ ذلك إلى الإنكار المستمرّ لوجود تلك الحقيقة.

3- الوهم: تشوّه الإدراك للموضوع الخارجي، فحكّام الجزائر يحاولون تفسير سلوكات الآخير من منطلقات يعيشونها في عالمهم الداخلي الخاصّ الذي لا يعكس ما يوجد في عالم الحقيقة.

4- التفسير: محاولة إيجاد تفسيرات ولو مغلوطة، أحياناً بالإسقاط على الآخر من باب رمتني بدائها وانسلّت، وأحياناً بالإزاحة مثل المصابين بالبارانويا.

5- الهلوسة: شرح أفكار وهمية داخلية بطريقة تبيّن للمحللّ أن حكّام الجزائر يدركون موضوعات غير موجود في العالم الخارجي أصلاً، وهذا مردّه إلى سيطرة الأفكار الاستحواذية والاضطهادية عليهم كما أشرت إليها أعلاه، فمثلاً المغرب عبّر مراراً عن طريق أعلى سلطة وهو الملك على مدّ المغرب ليده للمصالحة والتوافق وإنهاء المشاكل، ففسروا تلك الخطوة باليد المسمومة وأنه يريد الشر للجزائر، وهذا التفسير الهلوسي، مردّه إلى إدراك مشوّه لواقع العلاقات بين البلدين على الأقل كما يتصوّرها المغرب، فالبناء على أمر وهمي يؤدي إلى تفسير “هلوسي” أو مهلوس.

ننتقل بعد ذلك إلى درجة تنظيم الأفكار الهذيانية لدى من يحكمون البلد المجاور لنا، فقد تكون منظمة في الظاهر، ومنسجمة، وقد تكون متعدّدة الأشكال من حيث المواضيع والميكانيزمات، وتتمدّد وتتّسع بمجال مقيّد ومحدود، أو بتوسّع تدريجي في حياة المضطرب. وبخصوص حدّة الأعراض ودوامها، نجد نوعين: 1- ما هو حادّ ومؤلم كمرحلة من مراحل الاضطراب (يأتي لحظة ويذهب)، 2- ثمّ الدائم وهو ملازمة العَرَض أو الأعراض للمضطرب مدى الحياة، وأرجّح هذا النوع في حالة حكّام الجزائر، فأعراضهم الهذيانية وهلوساتهم وأوهامهم تجاه المغرب دائمة ومزمنة وتتطوّر بشكل مستمر، لتخلق لهم آلاماً حادة على الدوام.

ثمّ أختم بدرجة إيمان حكّام الجزائر بأفكارهم الهذيانية أو علاقتهم كمضطربين بالأعراض التي يعانون منها، فهناك احتمالان: إمّا أنهم لا يبالون بها، أو يؤمنون بها إيماناً مطلقاً وراسخاً، وهذا ما أرجّحه.

خاتمة:

إنّ ما تمّ رصده من اضطرابات نفسية وعقلية خطيرة لدى حكّام الجزائر، يجعلني من باب النصيحة أطلب منهم التوجه فوراً ودون إبطاء إلى أقرب مصحة نفسية للعلاج، ومعهم شرذمة مثقفي البلاط، والذباب الإلكتروني، لأنهم يعيشون جحيماً داخليا بسبب شيء اسمه “المرّوك” أو المغرب، فلا تبطئوا رحمكم الله، رفقاً بأنفسكم وبنا وبالمنطقة ككلّ.

ملحوظة لا علاقة لها بالموضوع: إن تونس للأسف الشديد أخطأت حساباتها، بالانجرار خلف سياسات حكّام المرادية، ولا زال خبزنا في بطنهم كما نقول، ولا أظنّهم ينسون –بلا مزية- وقوفنا معهم في أزمة كورونا بمستشفى ميداني كامل وعالي التجهيز بسعة 100 سرير، وبمحرّكين للأوكسيجين بضغط عال جدا. إن قضية الصحراء المغربية يا إخواننا في تونس هي قضية شعب قبل أن تكون قضية دولة، وغننا نعاتبكم على هذه “الخيانة”، لأنّنا فعلا نعتبركم أشقاء حقيقيين، لذلك انزعجنا جدّاً من تصويت دولتكم ضدّ قضية نعتبرها كمغاربة مصيرية، ما هكذا تورد الإبل يا تونس.

طالب باحث في علم النفس *

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى