في الواجهةكتاب السفير

السياسة الجنائية بين فشل المقاربة الزجرية والحاجة إلى الفعالية في التدابير العقابية البديلة

le patrice

* ذ. يسين العمري

لنتّفق في أوّل الأمر على أنّ مجتمع إنساني بدون شكّ تنتشر فيه الجريمة والانحراف، الجريمة كفعل ممنوع بحكم وقوة القانون، ويتعرّض مخالفه للعقوبة السالبة للحرية (السَّجن) أو السالبة للحياة حتى (الإعدام)، أمّا الانحراف فهو سلوك مضطرب يخصّ صاحبه، يتحوّل إلى التجريم إذا اقترف صاحبه عملاً يمعنه القانون، أمّا غير ذلك فيبقى سلوكاً يخصّ صاحبه مهما كان شاذّاً، يتطلّب التقويم باللجوء إلى أخصائي نفسي لتقويم سلوكاته، ويتعرّض المنحرف أو المضطرب إلى نبذ المجتمع أو ما يعرف بالوصم الاجتماعي، باعتباره إنساناً غير سوي، ولا يخضع لمعايير وقيم المجتمع، وبالتالي فشل في الاندماج الاجتماعي.

الأرقام التي تصدرها الهيئات سواء الرسمية أو غير الرسمية بالمغرب وخارجه عن الجريمة، لا يمكن أن تكون دقيقة، لأنّ هناك جرائم ارتكبت ولم يعرفها أحد، وأخرى ارتكبت ولم يتمّ التوصل إلى مرتكبيها، وأخرى قُيِّدت ضدّ مجهول… إلى آخره، وبالتالي الرقم الحقيقي للجرائم مجهول، أمّا الذي يقدّم لنا فهو رقم الجرائم التي تمّ العلم بها، والتحقيق فيها، وضبط الجناة، ومعاقبتهم بأحكام نهائية.

نعود الآن لصلب الموضوع، وهو السياسة الجنائية بالمغرب، هل هي فعلاً ذات جدوى؟ مباشرة ودون مواربة ولا تواري ولا تردّد ولا تنميق، الجواب لا للأسف، السياسة الجنائية المغربية فاشلة، فعنصر الزجر المتوخّى والردع المطلوب غائبان، إذ ما هي الفائدة من إلغاء عقوبة الإعدام؟ وما المرجو من وراء حرمان المجرم أو الجاني أو المخالف من حريته لبضع شهور وأحياناً موقوفة التنفيذ، أو سجنه بضع سنوات، أو تغريمه لمبالغ بسيطة، ما لم تحقّق هذه العقوبات فلسفة تسليط الجزاء على من يخرق القانون؟ بمعنى ما فائدة العقوبة ما لم تردع المجرم وتزجر غيره لكي لا يفكّر في ارتكاب نفس الجريمة؟ وأستحضر هنا كثرة جرائم اغتصاب الأطفال وقتلهم، التي شهدت تكراراً غير مسبوق في المغرب في الآونة الأخيرة.

والواقع العملي يثبت أنّ العقوبات فعلا وللأسف لا تردع ولا تزجر، فالمجرم يعتبر فترة قضاء السجن كأنّها فترة نقاهة، مأكل ورياضة وترفيه، يستعيد فيها صحّته وبياضه، فيخرج للمجتمع أكثر عدوانية من ذي قبل، صحيح الجسد أكثر من ذي قبل، وكأنّه كان في الفندق، ورغم الجهود التي تبذلها الدولة لإعادة تأهيلهم، لكن المردود والتفاعل لا يلبّي المأمول، إمّا لعدم جدية انخراط المُعَاقَبين، وإمّا لأنّهم اندماجهم في المجتمع بعد خروجهم من السِّجن يكون عسيراً جدّاً.

السؤال المطروح الآن: ما البديل لجعل العقوبات أكثر ردعاً وزجراً؟

كانت هناك عقوبة في المغرب القديم ما قبل الاحتلال تسمّى عقوبة التشهير، حيث يُحضَر المجرم موثق اليدين معصوب العينين ويتمّ حلق شعر رأسه، ويطاف به على حمار أعرج أجرب في الأسواق، وينادي المنادي (البرّاح) هذا فلان ابن فلان السارق أو الزاني أو غيرها، فيبصق عليه الناس، ويقذفونه بالطماطم الفاسدة والأحذية، ويعيش منبوذا لا تقبل له شهادة، حتى يموت ذليلاً.

طبعاً لن أتناول الحدود في الشرع الإسلامي وما تحقّقه من زجر وردع في آن واحد، لأنّ شروطها الموضوعية حالياً غير ممكنة، لا سيما أنّ من يدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان، لهم حساسية مفرطة تجاه هذا الموضوع، ويشحذون بالعكس هممهم للمطالبة بإلغاء عقوبة الإعدام.

تبقى المقاربة التي أعتقدها فعّالة للغاية، وكان الاحتلال الفرنسي يطبّقها في المغرب، ألا وهي معاقبة المجرم بأداء أعمال السّخرة، وهي أعمال شاقّة كحفر الآبار وشقّ الطرق في الغابات والجبال والصحاري… الخ حيث يُعطى المجرم قنينة ماء وخبزة طيلة اليوم.

قد يراها البعض عقوبة قاسية وغير آدمية، لكن هل المجرم الذي يقتل عمداً ويقّع الجثّة إرباً إرباً آدمي؟ هل يستحق معاملة آدمية؟ من يثبت في حقّه ويدان بحكم نهائي بعد محاكمة عادلة أنّه اغتصب طفلا أو طفلة في عمر 3 أو 4 أو 5 سنوات ثمّ يذبحه، هل هو آدمي؟ هل يستحقّ أن نكون آدميين معه، إنّ العقوبة من جنس المعاملة، هكذا ينبغي أن تكون، وهذا هو العدل والعدالة، وكم دفع المغرب من أثمان باهظة وفقدنا أرواحاً في عمر الزهور بسبب ذئاب بشرية، يدافع عنها الحقوقيون، نعم ذنب أولئك الضحايا في رقبة الحقوقيين، الذين يطالبون بإلغاء عقوبة الإعدام، لا نختلف معهم أنّ من حق المتّهم قبل أن تثبت إدانته أن يحصل على كافّة الضمانات بمحاكمة عادلة ونزيهة، ويبقى متّهما إلى أن تثبت براءته، لكن في حالة العكس وثبوت الجرم في حقّه بحكم نهائي، فالقصاص مطلب عادل للضحية وللمجتمع، ليكون عبرة لمن يعتبر، والحمد لله فالمغرب الحالي كلّه أوراق، طرق سيارة ومطارات وموانئ وغيرها، وبالتالي يمكن معاقبة المجرم بالأشغال الشاقة غير مأسوف عليه.

شخصيا لا أتعاطف مع المجرم الذي يرتكب جريمته عن عمد وسبق إصرار أو سبق ترصّد، لأنّه وحش كاسر تجرّد من إنسانيته؟ فكيف يتشبّث هو ومن يدافعون عنه بالبعد الإنساني وهو من أغفل إنسانية وآدمية ضحيته؟

دكتور في سوسيولوجيا الدين والسياسة *

إعلان gardenspacenouaceur

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى