في الواجهةكتاب السفير

تازة.. بأي يوم وطني للموسيقى.. عدت يا يوم..

isjc

* عبد السلام انويكًة

يعد طرب الآلة أو ما يعرف أيضاً بين أهل الشأن بالموسيقى الأندلسية، من التجلي التراثي الرمزي الأصيل ومن فسيفساء المغرب الهوياتي العابر للزمن على امتداد قرون. ولعل بقدر ما لهذا التعبير التراثي الفني من قدرة جذب وتأثير ووقع في ذات متلقين عاشقين ومولوعين، لِما يحتويه من مقام وطبع متعددٍ وتعاقبٍ وايقاعٍ وعزف وغناء، بقدر ما يسجل للمغاربة من فضلٍ في رعاية هذا الارث الثقافي الحضاري والحفاظ على جزء أكبر منه حتى يظل ممتداً قائماً صافياً نقياً أصيلاً. ولطرب الآلة الأندلسية كما في علم باحثين وفاعلين ومهتمين بالمجال، امتداد واسع شمل رغم ما هناك من تفاوتٍ حواضر تاريخية مغربية عدة اشتهرت بمعالم وأعلام متميزة في هذا الاطار، وبحُفاظ مهرة مرموقين وعارفين كبار بأسرار هذا التراث الانساني عن مدن تطوان وطنجة وفاس والرباط وسلا وشفشاون ومكناس وغيرها. بل كان هؤلاء بفضل في استمرارية هذا التراث واتساع مجاله ليبلغ ما بلغه من رقي وغنى ومكانة وهيبة فنية عابرة للأجيال، بحيث لم يسهم هؤلاء في إغناء هذا الإرث الثقافي فقط إنما أيضاً في التعريف به ونشره بمدن أخرى غير مدنهم الأصل.

سياق بمناسبة اليوم الوطني للموسيقي الذي يحتفي به المغرب خلال شهر ماي من ربيع كل سنة، ارتأينا فيه اطلالة على واحدة من مدن المغرب العتيقة، التي كانت دوماً بحكم القرب بتماس ثقافي مع فاس المدينة مركزٍ اشعاعٍ البلاد الروحي والثقافي الفني والعلمي منذ قرون. يتعلق الأمر بمدينة تازة وما طبعها من تفاعل فني أندلسي وما ميزها من أصول عارفين كبار بتراث طرب الآلة، مع ما يقتديه الأمر من حذر معرفي الى حين ما هو شاف مؤسس من نصوص لباحثين دارسين متخصصين. فضلاً عن اثارة ما كان عليه معهدها الموسيقى الذي يعد من أوائل مؤسسات التعليم الفني بالمغرب، من إسهام وتميز خلال فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي خاصة، ما جعل طرب الآلة بهذه المؤسسة والمدينة بتلقين وحضور ووقع وعشق واشعاع. وكثير من العارفين الملمين بهذا الشأن ممن أثثوا زمن طرب الآلة وكانوا ببصمة في هذا المجال، هم بانتماء لتازة على أساس أسماءهم وبيوتاتهم وأسرهم ومنهم عبد السلام البريهي المتوفي رحمه الله في ثلاثينات القرن الماضي وكان قد تلقى تعليمه على يد الحاج حدو بن جلون. وعبد السلام البريهي هذا يعود في أصوله الاجتماعية لشرفاء الوداغير الحسينيين بمدينة فكًيكً، ربما قبل انتقال عدد منهم واستقرارهم بتازة لفترة وقبل انتقال بعضهم منها صوب فاس طلباً للعلم بالقرويين. وكان الفقيه عبد السلام البريهي رحمه الله ممن تميزوا في طرب الآلة ورئاستها بغير منازع، فهو وارث سر المدرسة الفاسية لطرب الآلة وناشر أصولها التي لاتزال قائمة لحد الآن بحسب الباحثين المهتمين بالمجال، ولعل من تلامذته ابنه محمد البريهي والفقيه المطيري ومحمد دادي وعثمان التازي.

وكان محمد البريهي الذي ولد بفاس وتوفي بها أواسط أربعينات القرن الماضي رحمه الله، من أمهر العازفين على آلة الرباب وبدور كبير في ترسيخ طرب الآلة والتعريف به، من خلال جوق كان قد تميز به وهو الذي ترأسه لاحقاً تلميذه ووارث أسلوب أداءه الحاج عبد الكريم الرايس رحمه الله. ومحمد البريهي ابن عبد السلام البريهي في رأي المهتمين بالمجال من نوابغ هذا التراث المغربي الذين كرسوا حياتهم دفاعاً عنه، ومن كبار العارفين الذين كانوا يحفظون غير قليل منه ويتقنون أدواره ومستعملاته، فقد كان بجوق متميز بمدينة فاس ضم نخبة ممن لقنهم أصول هذا الفن الأصيل. وحول ”البريهي” الاسم والأسرة والانتماء من عدمه لتازة، من المفيد الاشارة من باب العلاقة لــ”علي البريهي” أحد الفقهاء المدرسين بجامع تازة الأعظم بتازة قبل فرض الحماية الفرنسية على البلاد، وقد توفي في بداية سبعينات القرن الماضي بعدما تجاوز عمره المائة سنة، وكان قد انتقل بعد حدث الحماية الى قبيلة صنهاجة بمقدمة جبال الريف شمال تازة لنشر العلم بها الى أن توفي بها في دوار النخلة تحديداً.

ونجد الى جانب محمد البريهي رحمه الله كأحد أعلام طرب الآلة لِما كان له من صدى في المجال، أسماء أخرى منها محمد التويزي ولبزور التازي وغيرهم، وتكفي الاشارة الى أنه لما طُرح موضوع تدوين تراث طرب الآلة بالمغرب منذ ثلاثينات القرن الماضي، دوَّن الأستاذ يونس الشامي بالنوطة نوبة رصد الذيل من إملاء لبزور التازي رحمه الله. والى جانب من أسهم في التأليف حول هذا التراث الموسيقي المغربي الأصيل مثل محمد الجعيدي ومولاي العربي الوزاني وعبد اللطيف بن منصور والحاج ادريس بن جلون رحمهم الله، نجد ما أنجزه الحاج عثمان التازي رحمه الله الذي قام بتلحين صنعات على نغمة النهاوند وأقامها على ميزان القائم ونصف، كان ذلك خلال فترة ثلاثينات القرن الماضي بمناسبة انعقاد مؤتمر الموسيقى المغربية. وحول علاقة طرب الآلة بمدن مغربية عتيقة أصيلة زمن الحماية الأجنبية على البلاد، أورد محمد بلمليح رحمه الله وكان رئيساً لجمعية هواة الموسيقى الاندلسية بالمغرب وأحد الفقهاء الذين تتلمذوا بالقرويين وأخذوا عن الزاوية التيجانية، وممن استفادوا كثيراً من مخالطة كبار أعلام طرب الآلة بالمغرب. أورد هذا الأخير أنه مقابل ما تميزت به هذه الفترة الحرجة من خمول موسيقي وقلة البيوتات المهتمة في بعض المدن، كانت هناك مدن أخرى على درجة من الحركية والاقبال مشيراً لمدينة وزان وطنجة وتازة. مضيفاً أن مدينة فاس في بداية أربعينات القرن الماضي كانت قبلة لعشاق طرب الآلة القادمين من مدن شمال البلاد، وأن ما كان عليه محمد العربي التمسماني رحمه الله من تردد عليها – يقول- سمح له بالتعرف على كبار الفنانين والشيوخ بها أمثال أحمد التازي، وعليه فقد تم الترحيب به كعازف في جوق البريهي أنذاك.

وطرب الآلة الذي يجمع بين أدب رفيع ونغم بديع كان ولا يزال ولع المغاربة الأصيل الأول الى جانب الملحون، ولعلهما سلوة أنفاس وقوت أرواح وبهجة مجالس وأفراح لمِا يقومان عليه من نغم وموشح وزجل وتوشية. وكما حال عدد من مدن المغرب التاريخية المحتضنة لهذا التراث الأصيل، لمدينة تازة من الأثر ما يحيلها على زمن أندلسي بهي، لِما لا يزال يؤثث فضاءها العتيق من أزقة وأحياء ومساجد منها من يحمل إسم الأندلس. مدينة كانت خلال فترة الحماية قبلة لمن كانوا بخبرة موسيقية وأدوار وتأثير ملموس في هذا الشأن، عبر ما حملوه معهم من تراث غنائي وأساليب وتقنيات إحياء الليالي في فني طرب الآلة والملحون.

يذكر أن مع بداية خمسينات القرن الماضي نزل بتازة قادماً اليها من تونس أحد المولوعين بطرب “المالوف” (الأندلسي)، وقد عُرف بحسب رواية مصدر معاصرمهتم بهذا المجال ب”البشير الغرايري”، وكان ما أحيط به من ترحاب وتقدير من قبل أهالي تازة حافزاً لتكوين عدد من هواة الموسيقى التازيين، ضمن مجموعة بأسماء عدة منها محمد بنصاري ومحمد بناني ومحمد بنويس وغيرهم. وضيف تازة التونسي هذا لسنوات محدودة كان يلقي دروساً في موشحات وأناشيد غنائية خلال فترة اقامته، وبعد رحيله لأسباب ذات علاقة بأحداث وطنية استمر اقبال هواة تازة على طرب الآلة، عبر أحد أبناء فاس هو”ادريس بلشهب” الذي كان واسطة لترتيب زيارات أسبوعية لموسيقيين فاسيين الى تازة لعل منهم ادريس السغروشني. وخلال نفس الفترة التي اعتبرت ذهبية بالنسبة لطرب الآلة في تازة، استقبلت المدينة عدداً من الفاسيين المولوعين بهذا التراث للاحتماء بها خوفاً من متابعات سلطات الحماية لهم. ومن هؤلاء هناك بلعيد السوسي والهادي بركًم.. إثر اتصالات قام بها أحمد الشراط التازي، وقد ظل هؤلاء بتازة الى حين حصول المغرب على الاستقلال.

وكانت قد تأسست مع نهاية خمسينات القرن الماضي أول مجموعة موسيقية تازية، ضمت أحمد الشراط وامحمد بن حدوش والهادي فنيش ومحمد بنصاري ومحمد بناني….هذا قبل حصول تحول نوعي في المشهد الموسيقي بتازة بفضل ما أسهم به “السيد الخليفي” وهو أحد الفاسيين العازفين المتميزين أنذاك على آلة الكمان بداية ستينات القرن الماضي. وقبل أن يبدأ إسهام تازيين في المجال الموسيقى من خلال معهد موسيقي حديث بمناهج حديثة، يُسجل لبعض المولوعين والعاشقين منهم إنصافاً لهم أنهم كانوا بفضل في التحفيز للاقبال على هذا المجال ومن ثمة إغناء الحركة الموسيقية بالمدينة، ويتعلق الأمر هنا بالحسين الأمراني ومحمد بلغيت رحمهما الله والطيب بن عصمان وغيرهم. وكان إحداث معهد موسيقي بتازة بداية سبعينات القرن الماضي بوقع جديد وأنشطة في هذا المجال، بحيث ساهمت عدة أسماء فاسية في ترسيخ أسس علمية لطرب الآلة به، عبر ما كانوا يقدمونه من دروس ويحرصون عليه من تلقين وحفظ لصنائع وتعليم للعزف على الآلات الموسيقية، نذكر من هذه الأسماء الأساتذة محمد بريول وأحمد اطراشن ومصطفى العامري ونجيب العمراني وأحمد شيكي.

زخم علمي تكويني أول بمعهد تازة الموسيقي في سنواته الأولى، شكل أرضية لفترة لاحقة لا يمكن أن نقول عنها سوى أنها كانت فترة ذهبية غير مسبوقة في تاريخ المدينة الفني والثقافي، ولعلها فترة تميزٍ وعطاء ارتبطت بتدبيرٍ تعليمي تكويني وبإدارةٍ للمعهد من قِبل أحد أبناء تازة وأحد خريجي مدرسة الأستاذ محمد الأشهب- وما أدراك ما جدية وقوة شخصية هذا الأخير الذي كان يتنقل من فاس لتازة لتدريس مادة الكمان الكلاسيكي-، ممن تميزوا بكفاية موسيقية رفيعة المستوى ونبوغ فضلاً عن هيبة فنية موسيقية و”كاريزما“ خاصة، ويتعلق الأمر بالأستاذ عبد اللطيف المزوري الذي عمل أستاذا وفي نفس الوقت مدير للمعهد الموسيقي بتازة ولسنوات قبل انتقاله للعمل بجهة الرباط ويُشهد لهذا الأخير ما كان عليه من تأسيس تكويني علمي وفضل كبير في هذا المجال وتضحيات وعمل بنكران. ولعلها فترة ذهبية ارتبطت بسنوات تدبيره لهذه المؤسسة التعليمية الفنية على أكثر من صعيد عِلماً وتعليماً وإقبالا وجودة وإشعاعاً محلياً وطنياً ودوليا. فترة ازدهر فيها المعهد الموسقي بتازة وازدهرت فيه كل أشكال التعبير الموسيقي من موسيقى عربية وموسيقى كلاسيكية وطرب أندلسي، وتكفي الاشارة في هذا الاطار في علاقة بما يؤكد ويثبت هذا الازدهار والتميز، الى أن معهد تازة الموسيقي كان دوماً وسنوياً حاضراً بطلبته ولسنوات في مباريات وطنية على مستوى الرباط لنيل شواهد عليا تحت إشراف وزارة الثقافة.

وحول ما طبع تازة خلال هذه الفترة من غنى واشعاع تكفي الاشارة الى أن تازة كانت حاضرة بجوقها للطرب الأندلسي في مواعيد موسيقية تراثية وطنية كبرى، فقد شاركت تازة في ملتقى الأندلسيات الخامس عشر بشفشاون خلال يوليوز 2000 وهو موعد وتقليد رفيع المستوى، كانت تحتضنه وزارة الثقافة تحفيزاً منها للفرق الوطنية الفاعلة في هذا المجال من جهة وخدمة وصيانة لتراث طرب الآلة الأصيل من جهة ثانية. وكان هذا الموعد الفني التراثي الموسيقي الأندلسي الوطني الذي أثار فيه جوق تازة إعجاب فنانين ومولوعين وباحثين وعشاق هذا الايقاع الاصيل على اثر مشاركته، قد جمع فرقاً وطنية وأجواق عريقة بحفاظ وعازفين ومنشدين كبار عن مدن مغربية رائدة أنذاك، مثل فرقة سلا برئاسة عدنان السفياني وجوق فاس برئاسة محمد بريول وجوق شفشاون برئاسة محمد اغبالو وجوق تطوان برئاسة أحمد شقارة، وفرقة بلابل الأندلس برئاسة عبد الكريم العمارتي وجوق جمعية فويتح للموسيقى الاندلسية برئاسة أحمد الزيتوني، والفرقة النسائية بشفشاون برئاسة عائشة أبراق وجوق مكناس للموسيقى الاندلسية برئاسة محمد الهواري وجوق الرباط لطرب الآلة برئاسة أمين الدبي ثم الفرقة الأندلسية لتطوان برئاسة الأمين الأكرمي.

مع أهمية الاشارة الى أن ملتقى الأندلسيات الخامس عشر الذي شارك فيه جوق المعهد الموسيقي لطرب الآلة بتازة، كان قد تضمن حفل تكريم أحد أقطاب ورموز الآلة الأندلسية المغربية والمغاربية ويتعلق الأمر بمحمد العربي التمسماني رحمه الله. وإسهام تازة في هذا الموعد التراثي الوطني من خلال جوق معهدها، دليل على فترة ذهبية كان عليها المعهد الموسيقي وعلى ما بلغته الآلة الأندلسية بالمدينة بفضل الأستاذ أحمد شيكي رحمه الله من ازدهار وتكوين واشعاع. وجوق المعهد الموسيقي لطرب الآلة بتازة الذي كان يتكون من خريجي المعهد وأساتذة مكونين والذي شارك في ملتقى شفشاون بحصة فنية من ميزان رصد الذيل، بدأ نشاطه سنة 1992 باسهامات محلية شملت مهرجانات ثقافية وأمسيات تراثية وغيرها، فضلاً عن مبادرات تكريمية على قدر كبير من الأهمية والالتفات، عرفاناً لمن كان من أبناء تازة بدور في التحفيز والتشجيع وبلورة فكرة إحداث معهد موسيقي بالمدينة نهاية ستينات القرن الماضي بتنسيق مع بلدية تازة ووزارة الثقافة. ولعل من لحظات تكريم بعض هؤلاء التي بادر اليها المعهد الموسيقي، تلك التي شملت عاشق طرب الآلة والمولوع به “الحسين الأمراني” رحمه الله كذا “الحاج الطيب بن عصمان”، التقليد الاحتفائي التكريمي الذي شمل لاحقا مؤسس ثقافة المديح والسماع بتازة والعاشق لطرب الآلة الحاج محمد بلغيت رحمه الله وقد كان ذلك قبل حوالي العقدين من الزمن. يبقى بعد ما سُجل من تراجع معبر ونزيف موسيقي بتازة، بكيفية خاصة ما هو أكاديمي مؤسسي تكويني وحضور مباريات وطنية، يُعلق الأمل على قادم الزمن كي تسترجع المدينة ما كانت عليه من عافية ونفس موسيقي ومن ثمة اشعاع وصدى عبر ما ينبغي من موارد ملمة عالمة وكفاءات، حتى تحتفي المدينة مستقبلا باليوم الوطني للموسيقى بغير ما هو كائن من واقع وحال وأحوال، وحتى لا نقول عن معهدها الموسيقي الذي كان يضرب به المثل بأية يوم موسيقي عدت يا يوم وبأية عيد موسيقي عدت يا عيد.

عضو مركز ابن بري للدراسات والأبحاث وحماية التراث *

الإدارة

مدير النشر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى